الإعلام الرقمي الجديد.. فرص وتحديات للاتصال المؤسسي

بينما تواصل دولة الإمارات إحراز تقدم كبير في رحلتها نحو العصر الرقمي من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية واستقدام أحدث التقنيات السابقة لعصرها، ينبغي على العاملين في جميع القطاعات والمجالات الاقتصادية والذين يمتلكون طموحات لبناء مسارات حافلة بالإنجازات، الاستفادة من الموارد المتاحة لهم وتعزيز خبراتهم للتكيف مع التحولات التي فرضها المشهد الرقمي. وشكّل إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أكاديمية الإعلام الجديد في دبي في هذا التوقيت المثالي دافعاً جديداً ليس فقط لأبناء الإمارات وإنما لأبناء العالم العربي لتطوير مهاراتهم واكتساب خبرات جديدة في مجال الإعلام الرقمي. وبصفتنا مواطنين متحمسين ومهتمين باستدامة مستقبل بلادنا، فإننا ملزمون بتوجيه الشكر والثناء لقيادتنا الرشيدة لتحويل رؤية هذه المؤسسة الأكاديمية الفريدة إلى واقع ملموس.

وتماشياً مع أهداف الأجندة الوطنية لدولة الإمارات، من المتوقع أن تساهم أكاديمية الإعلام الجديد في تعزيز مسار التنمية التي تشهدها دولتنا لا سيما فيما يتعلق بالاستثمار في مهارات الجيل القادم من المهنيين والعاملين في مجال الإعلام والاتصال المؤسسي، حيث يعتبر إنشاء الأكاديمية دليلاً على أهمية مجال الاتصال المؤسسي في دولة الإمارات. وبشكل عام لا يمكن لأحد أن ينكر الدور المحوري لوسائل الإعلام في القرن الحادي والعشرين من حيث حجم التأثير إلى جانب الكم الهائل من المعلومات التي تقدمها للمجتمعات.

ونتيجة التحولات السريعة والمستمرة التي يشهدها المجال الإعلامي، بات من الضروري أن ينتهج المتخصصون والعاملون في مجال الاتصال المؤسسي مساراً جديداً يركزون فيه على تطوير خبراتهم والتكيف مع متطلبات العصر الإعلامي الجديد الذي يعتمد على الابتكار والإبداع في جميع مفاصله، فتطور المشهد الإعلامي يؤثر بشكل مطرد على طريقة ونماذج عمل المتخصصين في مجال الاتصال المؤسسي. فإلى جانب أدوارهم التقليدية مثل إدارة سمعة علامتهم التجارية والتفاعل مع وسائل الإعلام والجهات الأخرى، يجب على العاملين في مجال الاتصال المؤسسي أيضاً مواكبة الاتجاهات الرقمية الناشئة للتأكد من أنها تضيف بشكل مستمر قيمة جديدة لعلاماتهم التجارية بطرق إبداعية واستراتيجية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من الفرص الكبيرة التي تقدمها هذه التقنيات والتحولات في المجال الإعلامي، إلا أنها تخلق أيضاً تحديات جديدة للعلامات التجارية. لذا ينبغي على الخبراء والعاملين في مجال الاتصال المؤسسي أن يتمتعوا بمستوى عالٍ من المرونة والقدرة على التدخل في الوقت المناسب لمعالجة التحديات الرقمية الجديدة التي تصاحب هذه التقنيات. وكما هو واضح للجميع، يعتبر مجال الإعلام الرقمي عميقاً وغنياً وسريع التحول كما أنه ساهم في تحويل عالم الاتصال المؤسسي إلى نهج متعدد القنوات على عكس النهج التقليدي أحادي القنوات الذي كان متبعاً في الماضي. وبكل تأكيد لا يزال المحتوى هو الأساس الذي تقوم عليه جميع العمليات الأخرى، إلا أن الشيء الجديد الآن هو أن السياق بات العامل الأول والأخير الذي يحدد نوعية المحتوى الذي تتم مشاركته مع الجمهور.

وباعتقادي أن مستقبل الاتصال المؤسسي سيعتمد بشكل رئيسي على مفهوم «التقارب» الذي يقوم على الجمع بين «ثلاثة عناصر مهمة» وهي الإعلام والاتصال المؤسسي والتكنولوجيا الحديثة بغية تقديم محتوى مخصص يلبي طموحات العلامة التجارية من جهة ويرضى تطلعات جماهير المستهلكين من جهة أخرى. وفي حين قد يكون الإعلام الرقمي الجديد قد فرض تحديات كبيرة للعاملين في مجال الاتصال المؤسسي اليوم، إلا أنه يمكنهم من خلال اكتساب ثلاث مهارات رقمية أساسية أن يوفروا لأنفسهم نقطة انطلاق نحو مواكبة المستقبل الرقمي، وتشمل هذه المهارات:

 

1. معرفة أبعاد ومقاييس التسويق الرقمي

مع تطور التكنولوجيا وتلاشي الخطوط الفاصلة بين التسويق والاتصال المؤسسي في العصر الرقمي الجديد، باتت هناك حاجة ملحة لمتخصصي الاتصال المؤسسي تفرض عليهم تعلم مهارات تسويقية جديدة، حيث أثبت هذا النهج فعاليته في احتضان المجال الرقمي واستكشاف آفاقه لتحقيق الأهداف التي يطمح إليها العاملون في مجال الاتصال المؤسسي. وفي حين تعتبر الوسائط المدفوعة والمكتسبة والمملوكة جميعها أساليب وأدوات شائعة، إلا أنها غالباً ما تكون غير فعالة عند تنفيذ حملة تسويقية منسقة بالاعتماد على تلك العناصر الثلاثة، لذا يجب على فرق الاتصال المؤسسي التي تسعى إلى تطوير حملات ناجحة والترويج لها أن تطور مهاراتها في مجال تحسين محركات البحث (SEO) وتحليلات الويب ووسائل التواصل الاجتماعي والبحث في العوامل الأكثر تأثيراً في تجربة مستخدمي المحتوى.

 

2. إتقان أشكال المحتوى الرقمي

يجب أن يتقن العاملون في مجال الاتصال المؤسسي الأشكال السمعية والبصرية للمحتوى الرقمي مثل المحتوى الديناميكي ومحتوى الفيديو، والتي تساهم في تعزيز معدلات التفاعل بشكل كبير كما يمكن استخدامها عبر منصات متعددة. وفي حين أن المحتوى الثابت كان بمثابة الشكل المفضل لإيصال رسالة ما، إلا أن الفيديو والمحتوى الديناميكي باتا يسجلان نسب مشاركة وتفاعلاً أكبر من جانب الجمهور على نحو ملحوظ.

 

3. فهم مؤشرات الأداء الرئيسية الرقمية

يمكن أن تسهم مؤشرات الأداء الرئيسية الرقمية في توفير تأثير «قابل للقياس» للجهود التي تبذلها العلامة التجارية لإنجاح استراتيجيات الاتصال المؤسسي. وسيمكّن تطوير منصة متخصصة لتتبع التفاعل مع الجمهور المستهدف، الفرق المعنية من تحديد المجالات التي ينجحون فيها وتلبي توقعاتهم – وأيضاً المجالات التي تحتاج إلى تحسينات إضافية. وسيكون استخدام الأدوات الرقمية لتتبع مؤشرات الأداء الرئيسة وقياس الأداء أمراً ضرورياً لتحقيق الأهداف سواء الشخصية أو المهنية. وعلى الرغم من أن قياس نقاط القوة والضعف في مجال الاتصال المؤسسي قد يبدو أمراً شاقاً بعض الشيء، إلا أن عملية جمع البيانات لتحقيق التطور المطلوب من خلال مؤشرات الأداء الرئيسية يمكن القيام بها بسهولة.

 

وأخيراً لا بدّ من التأكيد على أهمية أن يتمتع العاملون في مجال الاتصال المؤسسي برؤية شاملة وبعيدة المدى للمشهد العام للقطاع لا سيما مع عمليات التحول الرقمي التي تجري على قدم وساق في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة. ولكي يتمكنوا من تطوير هذه الرؤية، يحتاج المتخصصون في القطاع إلى التمتع بدراية ومعرفة كاملة حول ما يجري من حولهم، إضافة إلى التحلي بقدرات ومهارات متجددة تمكنهم من إضافة قيمة طويلة المدى لعلاماتهم التجارية والقطاع الذي يعملون فيه والمجتمع ككل. ويشكل افتتاح أكاديمية الإعلام الجديد من جانب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عامل تمكين مهماً لأبناء الإمارات العاملين في مجال الاتصال المؤسسي ليكونوا على أتم الاستعداد للمستقبل الذي تهيمن فيه التكنولوجيا الرقمية على كل جانب من جوانب حياتنا. عندها، ستكون الإمارات قادرة على نشر رسالتها السامية والمبدعة ليسمعها العالم بأسره.

 

* النائب التنفيذي للرئيس – الإعلام والاتصال – دو

طباعة Email
تعليقات

تعليقات