«30 يونيو» أنقذت مصر والمنطقة

هي مرجعية سياسية استراتيجية، وتفاصيلها وتداعياتها، وتأثيراتها لا تزال مستمرة، سيتوقف أمامها التاريخ كثيراً، مثلما ظلت حرب السادس من أكتوبر نظرية، يتم تدريسها في أجهزة العالم والأكاديميات العسكرية، فهذه الثورة أيضاً حدث غيّر خريطة العالم، وأعاد ترتيب مصر، هذا الوطن الذي يقوده بحكمة واقتدار الرئيس عبد الفتاح السيسي.

أتحدث عن ثورة 30 يونيو عام 2013، أعظم ثورات العالم، وأعمقها في المعني والرسالة، والهدف، تلك الثورة التي تحتاج إلى مؤرخين من نوع خاص، يدرسون التاريخ، ويدركون أعماق السياسة، ويمتلكون أدوات استشراف المستقبل.

في هذه المناسبة، نحاول أن نحتفي ببصمات شعب عظيم، أراد حريته، واختار مصيره، وبحث عن النور لمواجهة الظلام، شعب يؤمن بمفهوم الدولة الوطنية، فتمرد على «حكم المرشد»، شعب تخرج في مجتمع، أعمدته الحضارة والفن والثقافة والعدالة، والحياة المدنية، فلم يحتمل الحياة داخل قفص مكتب الإرشاد، لم ترهبه شارات التكفير والترهيب. شعب يعرف قيمة الأوطان، فهب مقرراً عدم العودة، رافعاً أعلام الدولة الوطنية المدنية.

نعم، مصر «الدولة» قالت كلمتها في الوقت المناسب. التاريخ يحتفظ بصفقات «حكم المرشد»، الوطن كان يباع بعلم وصول «طباخ» التنظيم الدولي ووكلائه في القاهرة، الذين أفرغوا السجون من الميليشيات وأمراء الدم، قلبوا كل الموازين في أقل من عام، هؤلاء كانوا في مهمة تزييف الحقائق.

لم ينجحوا في إخفاء عقيدتهم، التي تربوا عليها منذ عام 1928، «تأسيس الجماعة الإرهابية»، قتلة الرئيس السادات جلسوا في الصفوف الأولى، في الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر. الرسالة واضحة، ولا لبس فيها، هؤلاء ليسوا من هذا الوطن، كل التصرفات تقول ذلك.

أهم أهدافهم كانت أخونة مؤسسات الدولة، والسيطرة على مفاصلها.

انهار الاقتصاد، ودخلت مصر حافة الإفلاس، فقدت الدولة ثقلها، إقليمياً وعالمياً، صارت تحت حكم المرشد مطمعاً لأعضاء التنظيم الدولي. تجرأت أحلام القوة الخارجية بأن يكون لهما موطئ قدم في أرض المحروسة، واعتبر أردوغان أن حلم الخلافة العثمانية على بعد أمتار، مراهناً على أن من يحكم مصر هو ابن جماعته، وشريك في مخططه.

شيمون بيريز صار الصديق العزيز لهم.

قادتهم «الأوبامية» الأمريكية إلى سفح جبل من الرمال المتحركة، فسقط الاثنان معاً.

كمموا الأفواه، وأصدروا القوانين المكبلة، فرضوا رجالهم على جميع مؤسسات الدولة، عقارب الساعة الوطنية توقفت.

فاض الكيل.. جرس إنذار صارخ.. الأمن القومي العربي صار مهدداً. مصر مفتاح المنطقة، ظنوا أنهم تمكنوا من اختطاف دواليب الدولة، ونسوا أن المفاتيح في يد شعبها العظيم، عشرات الملايين خرجت إلى الشارع، لتقول كلمتها، وتنهي حكماً أسوّد، كاد أن يعصف بالإقليم كاملاً.

نجح الشعب المصري، والشعوب العربية في تحديد مصيرهم، والحفاظ على أمنهم القومي. نظرة تأمل سريعة، قبل سبع سنوات كيف وماذا كانت الحال؟ ونظرة تأمل أخرى الآن ما الحال؟! فارق شاسع بين المشهدين، ثورة 30 يونيو أنقذت هذه الأمة من قبضة الإرهاب، أنقذت الهوية العربية من طمسها بملامح «عثمانية».

ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ماذا لو لم تحدث ثورة 30 يونيو؟ وثمة إجابة أيضاً مرفوعة الرأس، تطرح نفسها بإلحاح، لتؤكد أن هذه الثورة أعادت الجغرافيا إلى أصلها، يسجل التاريخ بأن أبطال هذه الثورة حموا مصر والمنطقة من الاحتلال الإخواني، ومن التقسيم الإجباري، ومن بيع الأوطان قطعة قطعة.

حافظوا على الهوية العربية من تربص العصابات الإخوانية.

هذه الثورة أوقفت المشروعات الغربية للتخريب والفوضى.

لولا هذه الثورة لما كان أحد في العالم يسمعنا الآن، ويجلس معنا على طاولة واحدة للتفاوض، فهذه الثورة استعادت كرامة الوطن، بعد أن تجرأ عليه الآخرون، خلال حكم المرشد، الذي لا تزال تداعياته مستمرة حتى الآن، نشاهدها في ليبيا وسوريا والعراق واليمن.

* رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي»

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات