حين تموت الإنسانية

«الإنسانية».. أعظم من أن تُختصَر بتعريف، فهي كينونتنا، وهي ما يميزنا عن باقي مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فنحن لسنا مجرّد لحم ودم، وإنّما جُبِلنا على كتلة من الأفكار والمشاعر والقيم التي تجعلنا قادرين على التمييز بين الصح والخطأ، وبين الحقّ والباطل.

فكيف ستكون الحال لو تجرّد شخص ما من إنسانيته؟!

لا نستطيع القول إنه سيصبح شبيهاً بالحيوان، لأنّ الحيوانات لا تحمل شرور البشر، فهي لا تقتل لنشوة القتل، ولا تصطاد للتسلية، ولا تتسلى ببعضها لكي تلهو وتضحك.

من عجائب الزمن ما نراه اليوم من ممارسات لا إنسانية يرتكبها بعض الأشخاص في حقّ بشر آخرين، وفي حقّ كائنات أخرى، إمّا لأسباب عنصرية، أو لقسوة وانعدام رحمة، أو لمجرّد التسلية!.

فقد اجتاحت وسائلَ الإعلام مؤخراً أخبار مؤسفة عن العديد من الحوادث البشعة على امتداد العالم، والتي يندى لها جبين الإنسانية، ففي الهند أطعم بعض المراهقين أنثى فيل حامل حبة أناناس مفخخة لتنفجر بها وتقتلها مع جنينها.

وفي ماليزيا قامت فتاتان بتعذيب قطة صغيرة حتى الموت، أما في باكستان؛ فقام زوجان بضرب طفلة في الثامنة تعمل خادمة لديهما، لتلفظ أنفاسها تحت الضرب الوحشي، عقاباً على جريمتها المتمثلة بإطلاق طائري ببغاء من القفص!

وكما نشاهد كل يوم عبر وسائل الإعلام؛ اشتعلت الولايات المتحدة بأكملها إثر مقتل رجل أمريكي من أصل أفريقي على يد شرطي أبيض في حادثة عنصرية بشعة، وما لبث أن تبعه رجل آخر من أصل أفريقي قُتِل أيضاً على يد شرطي أبيض، ليتفاقم الوضع أكثر ويخرج تماماً عن السيطرة.

أمّا في شوارع القدس الشريفة، فقد ارتوت الأرض بدماء الشاب إياد الحلاق الذي اغتالته تسع رصاصات غادرة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، عندما كان متوجهاً إلى مدرسته الخاصة بذوي الهمم، دون أي اعتبار لوضعه الصحي.

وفي عالمنا العربي تكررت قصص مؤلمة لأب يقتل طفله تحت الضرب المبرح، بالتعاون مع زوجته الجديدة، انتقاماً من أم الطفل، أو تلبيةً لرغبة الزوجة، وقصص أخرى عن ابن يقتل أباه لدافع ما، وأخ يقتل شقيقته لخلاف على التركة!.

أما القصة الأغرب فهي لشاب يقتل ابنة شقيقته ذات العامين ويقطّعها لأن مشعوذاً أخبره بأنه يحتاج إلى دم عذراء لكي يستطيع اكتشاف مكان الذهب المخبّأ في باطن الأرض!!

وما زالت مجازر البشر العنصرية في حقّ بعضهم تلطّخ وجه التاريخ، من المهاجرين الذين دخلوا القارة الأمريكية وأبادوا قبائل السكان الأصليين من الهنود الحمر، إلى مجازر البيض في حقّ الأفارقة في جنوب أفريقيا، إلى الإبادة الجماعية التي ارتكبتها جماعة الهوتو ضدّ الأقلية من قبيلة توتسي في رواندا، إلى المجازر التي ارتكبت في حقّ مسلمي البوسنة والهرسك..

والقائمة تطول، لتتطوّر لا إنسانية بعض البشر وتتحول باتجاه الأطفال والكائنات الأخرى التي لا حول ولا قوة لها، والتي كان ذنبها الوحيد هو الثقة بالبشر.

من الصعب تصديق الكثير من الحوادث التي يرتكبها الحمقى والوحوش من بني البشر، لدوافع أنانية أو للجهل أو لمجرّد تفجّر الشرّ في دواخلهم، بينما فُطِر الإنسان على الخير، وخلقه الله سبحانه وتعالى لكي يعمّر الأرض لا ليعيث فيها فساداً.

فأين فطرة الإنسان من كلّ هذا؟!.. ما الذي جعل الكثيرين يفقدون كينونتهم وطبيعتهم البشرية ليتحوّلوا إلى كائنات لا ترقى إلى مستوى الوحوش، لأن الوحوش لا ترتكب الفظاعات، وإنّما تقتل لكي تأكل، ولكي تُطعِم أبناءها، فيما نجد بعض البشر يقتلون أبناءهم بلا رحمة ولا شفقة.

ليت هؤلاء يتّعظون ويعودون إلى البقية الباقية من إنسانيتهم، ليرحموا الآخرين ويتمثّلوا برحمة خالق هذا الكون التي وسعت كل شيء.

* رئيس مجموعة الدكتور أحمد النصيرات للتميز والابتكار

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات