«الربيع الأسود» في التظاهرات الأمريكية

أحداث التظاهرات والاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي امتدت إلى شوارع لندن وفيينا والسويد احتجاجاً على مقتل المواطن الأمريكي الأسود من أصول أفريقية جورج فلويد داعبت خيال وتصورات الكثير من «التثويريين العرب».

وأطلقوا العنان لأحلامهم بأنها «الربيع الأمريكي» ونهاية ترامب.. إلى آخر هذا النوع من الأحلام التي تتجاوز الواقع الذي يتجاهله أو يجهله أصدقاؤنا «التثويريون».

رغم خطورة ما حدث والتظاهرات التي لم تتوقف وإعلان حالة الطوارئ في 25 مدينة أمريكية والدفع بالآلاف من قوات الحرس الوطني وتهديد الرئيس الأمريكي بالاستعانة بالجيش الأمريكي لوقف تلك «العمليات الإجرامية وأحداث النهب» – على حد وصفه.. إلا أن المقارنة هنا غير منطقية وغير مستقيمة بالمرة، فهناك قيم ومبادئ أساسية اتفق عليها الأمريكان منذ الاستقلال في عام 1776 ووضع الدستور الأمريكي بعدها بعشر سنوات.

فالتغيير لا يأتي مهما بلغت قسوة الأحداث وشراستها في الشارع الأمريكي إلا من خلال صندوق الانتخابات الرئاسية أو لظروف استثنائية للرئيس الحاكم.. وإن كان بالتأكيد ما يحدث في الشارع ربما يعتبر مؤشراً أو إرهاصات متوقعة لما قد يحدث في بطاقة الانتخابات.. فالولايات المتحدة بحكم نظامها السياسي الفيدرالي.. بلد يحكمه نظام مدني يكفل حق التظاهر وحرية التعبير مع كامل رفضنا لمظاهر العنف الشديد ضد هذه التظاهرات في الشارع الأمريكي.

عموماً لم يعد سوى شهور قليلة على الانتخابات الرئاسية والمتوقع أن يتوافد الأمريكيون السود على صناديق الاقتراع بنية وهدف واحد هو إسقاط ترامب ضد منافسه.. وربما يتدفق الأمريكان البيض أيضاً للحفاظ على سيادة العرق الأبيض.

هنا مكمن خطورة ما يحدث في الشارع والمجتمع الأمريكي فقد استيقظت عقدة العنصرية التاريخية مرة أخرى رغم ما حدث من كفاح طويل ومرير للقضاء على الفصل العنصري والتمييز بين فئات المجتمع الأمريكي منذ مطلع القرن التاسع عشر، وحتى ستينيات القرن العشرين، والتي كان أبرز روادها «مارتن لوثر كينغ»، و«روزا باركس».

وبالفعل حصل الأمريكان الأفارقة على حقوق مدنية مساوية للمواطنين البيض بموجب قانون الحقوق المدنية الصادر في العام 1965، إلا أن التمييز والعنصرية لا يزالان قابعين في نفوس المواطنين «البيض» بالولايات المتحدة والذي يظهر جليًا في حوادث القتل المتكررة لشباب سود، خاصة علي يد رجال الشرطة.

ربما تظهر الحيرة هنا من أداء الرئيس دونالد ترامب مع الأحداث وتطرح عدة أسئلة تحتاج إلى إجابة منه.. لماذا ترك ترامب الأمور تسوء إلى هذا الحد في عدد كبير من الولايات الأمريكية، وكان من الممكن تهدئة الأوضاع والإعلان عن التحقيق الفوري والعاجل في مقتل فلويد..

ولماذا لجأ إلى توجيه الاتهامات إلى منافسيه بأنهم وراء اشتعال الأوضاع.. بديلاً عن سياسة التهدئة واحتواء الأزمة مسرعاً قبل اشتعالها.. وهو يدرك جيداً أنه مقبل على انتخابات رئاسية صعبة بعد شهور قليلة. ويخوض معارك متعددة في اتجاهات مختلفة وأبرزها معركته مع الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي.

هنا يرى البعض أنه تتجلى السمات الشخصية للرئيس الأمريكي والتي اعتاد عليها الرأي العام الداخلي والعالمي في التعامل مع الأزمات بكلماته وجمله الحادة ولغته الجسدية، فهي التي سيرت الأمور بالشكل الذي رأيناه وأنه يبدو أنه من أنصار تعقيد الأزمة والوصول بها إلى الحافة لاستعراض القوة أمام أنصاره قبل موعد الانتخابات الرئاسية للفترة الثانية في نوفمبر المقبل..

وهذا، كما يرى البعض أيضاً، نوع من «اللعب بالنار» لأن الأوضاع يمكن أن تسير على عكس ما يريد وربما تأتي الرياح بما لا تشتهي سفن ترامب وتعصف بقيم المجتمع الأمريكي في العدالة والمساواة، وتفتح جروحاً قديمة لم تندمل حتى الآن وهي جروح العنصرية ضد السود في المجتمع الأمريكي من الستينيات.

ما تابعه العالم في الأيام الماضية أمر خطير جداً على القيم الأمريكية. فقد تم توظيف لغة الخطاب الديني واستخدام الدين في الأزمة الحالية وهو ما يتنافى مع القيم الاجتماعية والثقافة السياسية للمجتمع الأمريكي.

فالرئيس الأمريكي قام برفع الإنجيل أمام البيت الأبيض - بدلاً من الدستور الأمريكي - أمام كنيسة القديس يوحنا الأسقفية القريبة من البيت الأبيض وقام بزيارة النصب التذكاري للبابا يوحنا بولس الثاني وهو ما انتقده الأساقفة، وفتح الباب أمام منظمات عنصرية أخرى باستخدام الخطاب الديني في مواجهته - أي مواجهه ترامب - مثل منظمة أمة الإسلام وهي تنظيم سياسي ينادي بتفوق العنصر الأسود وهي منظمة لها تأثير قوي بين السود في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة زعيمها لويس فرقان.

فهل تنفلت الأمور ويتحول «الربيع الأسود» إلى مأساة حقيقية وشرخ عميق في جدار مجتمع الحريات الدينية والسياسية؟

* مدير تحرير «اليوم السابع» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات