محاصرة الغنوشي

ليس معنى إفلات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة - الفرع التونسي لجماعة الإخوان - ورئيس البرلمان من جلسة المساءلة البرلمانية التي استهدفت إسقاط عضويته ومن ثم رئاسته له، أن الهدف من وراء ذلك بات منتهياً والقضية أضحت محسومة.

فقد نجح التكتل الذي يقوده الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسى مع حلفائها، من حشد تجمع نيابي للموافقة علي مشروع قانون يسحب الثقة البرلمانية من الغنوشي، بسبب تجاوزه صلاحياته البرلمانية، واعتدائه على المهام التي ينيط الدستور برئيس الدولة ورئيس الحكومة القيام بها.

ومن أصل 217 نائباً، حضر من بينهم 159 عضواً جلسة المساءلة وافق على سحب الثقة 94 نائباً، ورفض المشروع 68 نائباً وامتنع عن التصويت سبعة نواب.

وكان ينقص مشروع قانون سحب الثقة 15 صوتاً فقط للوصول إلى عدد 109 أصوات لكي يمر، لكن التهديدات بنشر الفوضى في البلاد والضغوط المعنوية والمادية التي مارستها حركة النهضة قبل الجلسة وأثناء انعقادها، كانت عاتية ليس أقلها أن يمتد النقاش نحو عشرين ساعة، ويجري التلاعب بأساليب مشهود بفسادها في المجالس التشريعية، من حيث ترتيب القضايا المطروحة للنقاش في الجلسة، وتقديم وتأخير المتحدثين، وعدم إدراج الموضوعات المغضوب عليها في جدول النقاش من الأصل، فضلاً عن ألعاب إضاعة الوقت، التي تؤدي لإساءة استخدام السلطة التشريعية وتفعيلها.

نجح التكتل البرلماني المناهض للغنوشي كذلك، في نقل المطالبة برحيله عن رئاسة البرلمان، من داخل المجلس النيابي إلى الشارع. وحفلت منصات التواصل الاجتماعي بعرائض تدعو المواطنين للتوقيع عليها، وتؤيد حجب الثقة عنه ورحيله من البرلمان، وتطالب بمحاكمته على ثرائه غير المشروع والتربّح من المال العام، والتآمر على أمن البلاد، بسحب قرارها ليوضع في كف السلطان العثماني.

وغدت القضية بذلك أبعد مدى من مجرد الفصل بين السلطات والاختصاصات، ومن الاعتراض على تهنئة الغنوشي لزميله في «إخوان ليبيا» السراج بانتصارات ميليشياته من مرتزقة الأتراك في «القاعدة» و«داعش»، على الجيش الوطني الليبي، وزيارته السرية لتركيا واتصالاته المستمرة بأردوغان التي تعلي من حسابات موقعه الحزبي، على حساب الموقف الذي يحقق الصالح الوطني العام، وهي القاعدة الأيدلوجية الثابتة لدى جماعة الإخوان في كل عهد ومكان، أوليس الوطن مجرد «حفنة تراب نتنة» كما قال هاديهم ومعلمهم «سيد قطب»؟!

إن المسألة هي دفاع التحالف المدني الذي يضم الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابات والأحزاب والمنظمات الجماهيرية والمجتمع الأهلي، عن القرار التونسي الوطني المستقل، الذي تسعى حركة النهضة منذ هبوطها على تونس، قبل تسع سنوات، لتجني ثمار ثورة لم تشارك فيها، لربطه بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان والعمل على نشر التطرف الديني.

فضلاً عن الغضب الشعبي، من التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي وضع تونس في حالة انتقالية منذ قيادة النهضة ومشاركتها في كل الائتلافات الحكومية، والفشل الذريع في إدارة القطاعات التنفيذية التي تولى أعضاؤها مسؤوليتها، وكشف عن ضآلة خبرتها في شؤون إدارة البلاد، وضعف مستوى كوادرها، ونجاحهم فقط في زرع تلك الكوادر في مؤسسات الدولة والحكم، وإقصاء كل صوت معارض، وقتله في بعض الأحيان. ولا تزال قضية اتهام حركة النهضة باغتيال المعارضين التونسيين شكري بالعيد ومحمد البراهمي منظورة أمام القضاء منذ خمس سنوات.

فشلت هذه المرة تلك المحاولة في سحب الثقة من راشد الغنوشي، أو دفع البرلمان الذي يرأسه للمصادقة على مشروع قانون يرفض أي تدخل أجنبي في شؤون ليبيا، لكنها نجحت في حصاره، حيث انطوت التظاهرات الشعبية التي عمت المدن التونسية مؤخراً، على شعارات تصف الغنوشي بالسفاح وقاتل الأرواح، وتهتف ضد الاستعمار التركي، وضد أن تكون الحدود الجنوبية التونسية ممراً للتدخل التركي والأجنبي في ليبيا.

وجاءت الانقسامات التي جرت في صفوف حركة النهضة مؤخراً لتعزز من حصاره داخل حزبه أيضاً، وتضعف من مكانته وسط صفوفه، لاسيما بعد الاستقالات التي شملت قادة مؤسسين للحركة، وكبار مسؤوليها، وبينهم نائب الحركة ومرشحها السابق للرئاسة «عبد الفتاح مورو» والأمين العام لها «حمادي الجبالي»، فضلاً عن السخط الزائد وسط شباب الحركة الراغبين في تجديد شبابها، بسبب اصطفاء رئيسها لأقاربه ومؤيديه، وإبعاد معارضيه عن موقع السلطة والقرار.

مستقبل راشد الغنوشي في البقاء في الساحة السياسية أو الرحيل عنها بعدما بات على عتبات الثمانين، أصبح مرهوناً بقوة وتماسك التحالف المدني المعارض له وقدرته على المثابرة للوصول إلى أهدافه، وبالتطورات التي ستجرى خلال الأيام القليلة المقبلة داخل ليبيا، وإن غداً لناظره لقريب.

*رئيسة تحرير «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات