«كورونا» لا يعترف بالحدود

مضى أكثر من ستة أشهر على بداية تفشي وباء «كورونا» المستجد، تجاوزت الإصابات خلالها أكثر من 7 ملايين شخص حول العالم، لقي أكثر من نصف مليون منهم حتفه حتى الآن. أضف إلى ذلك، ما تسببت فيه الجائحة الصحية من خسائر مادية، أدت إلى شل حركة الاقتصاد، وتوقيف عجلة الحياة في مختلف أنحاء العالم.

وإذا كانت العديد من أقوى اقتصادات العالم، قد أوشكت على الانهيار تحت وطأة الوباء، فما بالك بالدول «النامية»، التي يعاني معظمها من بطء النمو الاقتصادي، أو الصراع أو آثار تغير المناخ، أو كلها مجتمعة؟ لا بد أن آثار الجائحة فيها، ستؤدي إلى تفاقم خطير في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية، قد يكون له عواقب وخيمة على مختلف قطاعاتها الحيوية، بدءاً بالأمن الغذائي، الذي يشكل لبنة الأساس لكل بنيان مجتمعي.

كنت قد أوضحت في مقال سابق، أن «الوصول إلى الغذاء بطريقة آمنة وكريمة، يشكل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان»، وأنه «عندما يتعرض الأمن الغذائي للخطر، فإن ذلك يشكل خطراً على الأمن ككل».

ومع تفاقم أزمة «كورونا»، قد يتسبب التراجع الاقتصادي وتقلص مداخيل الأسر والمجتمعات، نتيجة تفاقم البطالة الناجمة عن استمرار إجراءات الإغلاق الاحترازية، مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، في الإضرار بسبل عيش الملايين، والحد من قدرتهم على الحصول على ما يكفيهم من الغذاء.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بالرغم من أن العالم ينتج ما يكفي ويزيد من الطعام، لتغطية احتياجات سكانه، البالغ عددهم 7,8 مليارات نسمة، إلا أن عدد الجياع به كان قد تجاوز 820 مليون شخص، حتى قبل بداية الجائحة، وكان 135 مليون منهم يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين يواجه 30 مليوناً منهم خطر المجاعة.

أما الآن، وبعد تفشي الوباء، فإن العالم لم يعد يواجه جائحة صحية فحسب، بل أصبح يواجه كارثة غذائية تهدد الملايين.

إذ من المتوقع أن تتسبب الجائحة في ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع وانعدام الأمن الغذائي بشكل عام، إلى ما يقارب مليار شخص، وزيادة عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد، إلى أكثر من ربع مليار شخص، خصوصاً في المناطق التي تندلع فيها الصراعات، وتعاني من تأثير التغيرات المناخية والصدمات الاقتصادية وغيرها.

وعندها سيصبح العالم في مواجهة مع «وباء جوع» خطير، ينذر بحدوث كارثة إنسانية، لم يسبق لها مثيل.

وفي حين تكتسي الاستجابة الصحية أهمية قصوى في مواجهة الجائحة، إلا أن الاستجابة الإنسانية الرامية إلى ضمان الأمن الغذائي للمستضعفين والمحتاجين، ينبغي أن تشكل، بدورها، أولوية لا تقل أهمية، خصوصاً في ظل التحليلات التي تشير إلى أنه في حال تعذر حصول المحتاجين على المساعدة الغذائية، قد يتعرض 300,000 شخص للموت جوعاً كل يوم، على مدى أشهر.

لا بد إذن، في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ الإنساني، أن يقف العالم متحداً، ليواجه هذا العدو المشترك، الذي يشكل أكبر تحدٍ يطرأ عليه منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا السياق، أود أن أنوه بالمجهودات الجبارة التي تبذلها منظمات الإغاثة الإنسانية بمختلف أطيافها وتخصصاتها، لتخفيف آثار الجائحة على المجتمعات الهشة، بالرغم مما قد تواجهه من تحديات تمويلية ولوجيستية.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات