الدبلوماسية الرقمية تحديات وفرص!

«يا إلهي، هذه هي نهاية الدبلوماسية!»، كان رد فعل اللورد بالميرستون، رئيس وزراء بريطانيا عام 1850، عندما تم وضع أول برقية على طاولته.

أتساءل كيف ستكون ردة فعله اليوم، حيث بتنا نشهد في الآونة الأخيرة جميع الدبلوماسيين تقريباً ووزراء الخارجية من جميع أنحاء العالم يعقدون اجتماعاتهم من خلف شاشاتهم باستخدام برامج مثل زووم، ويقومون بالتواصل من خلال رسائل البريد الإلكترونية والتواصل مع مواطنيهم من خلال قنوات التواصل الاجتماعي.

استخدمت الدول التي لديها تاريخ طويل من النزاعات بين بعضها المصافحة كرمز لإنهاء هذه الخلافات، واحدة من هذه الأمثلة الشهيرة للمصافحات التاريخية كانت بين قادة كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، منهية سنوات من الذعر العالمي حول صراع نووي محتمل. مثال آخر عندما صافح الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، راؤول كاسترو في حفل تأبين نيلسون مانديلا في عام 2013، حيث فتح الباب للتبادل الدبلوماسي الكامل بين هاتين الدولتين منهية خمسين عامًا من النزاع.

هل يمكننا أن نتنبأ بأنه في المستقبل القريب سيتم استبدال رمز المصافحة في نهاية أي نزاع سياسي بـ«إيماءة الرأس» أو «تلويح باليد» من خلال برنامج زووم؟

موضوع الدبلوماسية الرقمية يعتبر محط اهتمام العديد من الباحثين المتخصصين في العلاقات الدولية، وتم إصدار العديد الكتب في ضوئه وعقدت مؤتمرات عالمية لمناقشة هذا الشكل الجديد للدبلوماسية منذ ظهور تقنية الإنترنت. ومع ذلك، فقد تطلب الأمر جائحة عالمية ليتم استخدام الدبلوماسية الرقمية في شكلها الكامل من قبل الدبلوماسيين من جميع أنحاء العالم.

هناك العديد من العوامل المهمة التي يجب على الحكومات أخذها في عين الاعتبار قبل ضم الدبلوماسية الرقمية ضمن سياستها الخارجية:

أولاً: الجانب الاتصالي والمعلوماتي، حيث شهدنا في التاريخ الحديث، ما نتج عن اختراع الإنترنت من سهولة تبادل الاتصال بين البلدان من خلال الرسائل الإلكترونية. بالإضافة إلى زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا مما جعل سيولة المعلومات أسرع بكثير، ونتيجة لذلك تمكن الدبلوماسيون من التواصل مع مواطنيهم بشكل أسرع أثناء الجائحة الحالية.

ومع ذلك، لا يمكننا تجاهل بعض العوامل الخطرة مثل التضليل الإلكتروني. حيث بإمكانه جعل الدبلوماسية الرقمية ضعيفة للغاية واستهدافها من قبل جهات خارجية خبيثة، والذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليل الثقة بين المواطنين وحكوماتهم.

ثانياً: يتطلب من وزارات الخارجية تزويد دبلوماسييها بمجموعة جديدة من المهارات والمعرفة الرقمية والاستراتيجيات، ليتم تبني الدبلوماسية الرقمية من قبلهم بطريقة آمنة. وأخيرًا، يجب وضع استراتيجيات عالمية للحد من «الفجوة الرقمية» التي تشير إلى وجود عدم مساواة بين الدول والأقاليم بناءً على قدرتها الرقمية.

حيث إن القارة الأفريقية لديها أدنى معدل اختراق للإنترنت مقارنة بالمناطق الأخرى، نسبة القارة الأفريقية في اختراق الانترنت 26.5٪ مقارنة بأوروبا التي هي 70.5٪ وأمريكا الشمالية 87.7٪.

خلال الجائحة بذلت الإمارات العربية المتحدة جهوداً هائلة من خلال تبني الدبلوماسية الرقمية، حيث استضافت وزارة الخارجية والتعاون الدولي سلسلة ندوات عبر الإنترنت حول التبادل الثقافي والإنساني في محاولة للتبادل الدبلوماسي وفتح باب الحوار في مثل هذه الأوقات الحرجة.

كما تم الإعلان من قبل مجلس الوزراء عن تعيين سفير الثورة الصناعية الرابعة في نوفمبر 2019، خلال الاجتماع السنوي لمجالس المستقبل العالمية وذلك بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، لتعزيز جهود الدولة كمركز عالمي لتبني تقنيات المستقبل، وبناء جسور الشراكات ونشر المعرفة بين الدول الأخرى.

وكما قال الفيلسوف اليوناني هيرقليطس «الشيء الوحيد الثابت هو التغيير المستمر». يجب على البلدان تبني التغيير في سياساتها الخارجية وتسخير الدبلوماسية الرقمية لتحقيق أهدافها، وذلك من خلال تسخير مجموعة الأدوات الجديدة، وبناء المهارات المستقبلية اللازمة، وتوفير المنصات الرقمية الآمنة لدبلوماسييها في المستقبل. ومع ذلك، في رأيي، لا يمكن استبدال الاجتماعات وجهاً لوجه بين الدبلوماسيين بشكل كامل بمنصات رقمية.

حيث إن الجانب الشخصي والإنساني في التعامل والتخاطب بين الدبلوماسيين والذي بني عليه أطر الدبلوماسية والعلاقات الدولية سيكمن في قلب السياسة الخارجية للدول في المستقبل بالرغم من التطور التقني. ولذلك يقترح اعتماد نهجين، حيث لا تقوم الدبلوماسية الرقمية بإلغاء الدبلوماسية التقليدية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات