آليات تربوية رائدة تتكيّف مع المرحلة

واقع افتراضي جديد حلَّ في حياتنا، وطفقت ملامحه تتشكل في الفعل الإنساني، هو أمر حتمي، ومتوقع في رحلة السباق مع الزمن، وما تفرضه التكنولوجيا من مسلمات، كانت في الأمس القريب، محط حديث رواد وخبراء الفكر والعلم والاقتصاد، ولكنها أصبحت اليوم حقيقة، نلمسها ونعاينها، بل ونعايشها بفعل فيروس «كورونا» المستجد، الذي سرّع من وتيرة هذا الواقع.

نعم، أصبح العمل عن بعد، وإدارة دفة الأعمال عن بعد، وتحريك عجلة قطاع المال والاستثمار عن بعد إلى حد كبير، وأيضاً التعلم أصبح عن بعد، وهو موضوع حديثي في هذه الزاوية، التي أسعى من خلالها إلى تسليط الضوء على فكر تربوي عصري، مستمد من المؤسسة التعليمية الأولى في الدولة، وما تميزت به من مرونة، تتجاوب مع أهمية المرحلة وضروراتها، قد يغيب عن البعض ضروراتها وفعاليتها، وأهميتها نتيجة تسرع أو قصور في الفهم.

محور وآليات تربوية رائدة، تلك التي تتعامل بها وزارة التربية والتعليم، من خلال انتهاج منظومة تقييم تحاكي المرحلة، وتشخص الواقع لتتكيف مع مجرياته، بما يصب في المحصلة النهائية في مصلحة الطلبة.

في ظل هذا الظرف الطارئ، ورغم تعقيداته، وما نتج عنه من مباغتة آليات عمل قطاعات عديدة، إلا أن وزارة التربية والتعليم تعاملت معه بحنكة وبمفاهيم تربوية عصرية، تقدم مصلحة الطالب، وتضعه في مرمى الهدف، لذا استنبطت ضمن منظومة التعلم عن بعد في الفصل الدراسي الأخير، نظام الاختبارات القصيرة «checkpoints»، وهي نقاط فحص بدرجات محدودة، وتعد أداة تخدم مفهوم القياس من أجل التعلم، بعيداً عن نظام الدرجات الذي يشكل للبعض هاجساً، حيث ارتأت أن تصمم هذه الاختبارات، لمحاكاة مستويات الطلبة، وتدريبهم على نمط القياس الذكي، وتمكينهم من رصد مستواهم الحقيقي في مهارات محددة، وهي خطوة لتحسين مستوياتهم مستقبلاً، من خلال تحديد مكامن القوة والضعف، لتكون مرجعية لصناع القرار التربوي.

الغاية قياس مستوى الطالب التعليمي، وليس إثقال كاهل الطالب بنظام الدرجات، بل أضافت إلى ذلك ميزة أخرى، وهي أخذ أعلى قيم الدرجات، التي يتحصل عليها الطالب ضمن سلسلة الاختبارات، التي يتقدم لها، وفي هذا دفعة معنوية أخرى.

بضعة شهور كانت كفيلة بقلب العالم، رأساً على عقب، ورغم التداعيات الحاصلة إلا أننا في وطن زايد، تعلمنا من القيادة الرشيدة التفاؤل والتمسك بالأمل المقرون بالعمل، والتعامل مع التحديات بروية، فكان ثمرة ذلك أن حصدنا إنجازات تربوية قيمة، انعكست على طلبتنا، وهذا الأساس والمبتغى، إذ إن الحفاظ على هذه الثروات البشرية مطلب وواجب علينا جميعاً.

رهاننا اليوم على الوعي المجتمعي، كل تربوي وولي أمر اليوم هو على المحك، إذ يقع على عاتقه دور مهم، وتقديم الحلول التعليمية لطلابنا شأن المؤسسة التربوية، التي تبذل قصارى جهدها، لأن طرائق التعلم الحديثة، أصبحت واقعاً يجب التعامل معها بوعي أكبر، وحرص من خلال التدريب.

وبالعودة إلى قضية الاختبارات، برزت فئة من أولياء الأمور، التي اتخذت موقف المتفرج، وأخرى المتابع، وأخرى وجدت المساندة للطالب بأن تمتحن بدلاً عنه، في حين هناك فئة تحفز وتشجع وتقدم الدعم الكامل لأبنائها الطلبة، وهي التي نريدها أن تكون النموذج الدارج والأعم.

الاختبارات القصيرة، وضعت لقياس مهارات معينة، وقع الاختيار عليها كونها أداة تقييم مرحلي، وليست لإصدار حكم نهائي، ومن الأهمية بمكان وقوف القائمين على التعليم على النتائج، ورصد الأرقام والبيانات، وقراءتها بتأنّ لتصحيح المسار.

علينا المصارحة والمكاشفة مع ذواتنا، ونحن على يقين بأن تراكمات سنوات عديدة ألقت بظلالها على مستوى الطلبة في القراءة، آلمنا المشهد بالتأكيد، إذ إن هناك فئة من الطلبة لا يجيدون مهارات القراءة أو الكتابة، أو يعانون من ضعف في مهارة ما، ولكنها الحقيقة الغائبة عن البعض، وهذه الاختبارات جاءت لتشخيص الضعف لديهم، لتداركه، ووضع العلاج المناسب قبل فوات الأوان.

علينا ألا نظل ننتقد من أجل النقد فقط، بل لنفسح المجال للقيادات التربوية، والميدان للعمل ومواصلة خطط دراسية موضوعة بعناية وجدت لصالح الطلبة، وفي الوقت ذاته الأبواب مفتوحة لتقديم الرأي البنّاء.

إن فُقِدت الثقة، ستختل الموازين، وتضطرب حركة التعليم، طلبتنا أمانة لدينا في ما نغرسه فيهم من القيم والاحترام والصبر، وتحمل المسؤولية والعلم المفيد، فدورنا تعزيز الثقة بأنفسهم وبناء مهاراتهم، وتسليحهم بالعلم وغرس القيم الوطنية، ليكونوا قادرين على خوض عالم متغير وسريع التطور، واجبنا ألا نتخلى عنهم في هذا الظرف، بل نقف بجانبهم، ونساندهم لتمكينهم من آفاق جديدة للتعلم حتى يكتسبوا مهارات قيادة دفة المستقبل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات