طريق النمو المستدام للتجارة الالكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي

تسببت جائحة «كوفيد 19» بتداعيات كارثية على العديد من القطاعات الاقتصادية. إلا أنها بالمقابل تسببت في نمو غير مسبوق للتجارة الإلكترونية. ولا يعني هذا أن على الشركات العاملة في تجارة التجزئة الإلكترونية أن تكتفي بما حققته من نجاح في هذه المرحلة بل ينبغي لها أن تستغل هذه الفرصة الفريدة وتسعى إلى وضع استراتيجيات متكاملة تساهم في تعزيز رضا وولاء المستهلكين في المستقبل المنظور، عوضاً عن الالتفات فقط إلى الهدف الآني بتحقيق أكبر قدر من الأرباح على الأمد القصير.

أدت حالة الإغلاق العام التي فرضتها حكومات دول مجلس التعاون إلى تغيرات جذرية ومباشرة في سلوك المستهلك، يتمثل أولها في قيام العديد من المستهلكين بتأجيل الإنفاق على بعض المنتجات الثانوية كالألبسة والأجهزة الإلكترونية، والاكتفاء بشراء المنتجات الأساسية التي تساعدهم على التأقلم مع حالة الحجر، على غرار السلع الاستهلاكية سريعة الدوران ومنتجات البقالة والأدوية والمنتجات التعليمية والألعاب. أما التغير الثاني فيتمثل في هجر المستهلكين للمتاجر التقليدية والتوجه بشكل كامل تقريباً نحو التسوق الإلكتروني. كما أخذت فئات جديدة، وأبرزها المستهلكون الأكبر سناً تتوجه باضطراد نحو التسوق الإلكتروني.

وتمثل التطورات التي تشهدها دول التعاون انعكاساً للأنماط العالمية، إذ بعد أن كان انتشار التجارة الإلكترونية في السابق محدوداً (أقل من 4% من مبيعات التجزئة)، تسببت الجائحة في تسريع وتيرة تحول المستهلكين نحو التسوق الإلكتروني. وتفاعلت الأسواق الإقليمية سريعاً مع هذه التغيرات، وبدأت منصات جديدة بالظهور إلى جانب المنصات الموجودة التي أخذت في تعزيز خدماتها. في حين بدأت شركات التجزئة التقليدية بالتوسع إلكترونياً لتلبية متطلبات المستهلكين، وازدهرت تطبيقات توصيل الطعام.

وتشكل هذه المرحلة فرصة قد لا تتكرر، إذ بات بإمكان هذه الشركات الآن الوصول إلى فئات جديدة من المستهلكين واستخدام بياناتها للتسويق الموجه وخفض التكاليف. كما قد تصبح هذه التغيرات هيكلية وطويلة الأمد في النهاية.

ومع احتمال عودة بعض المتسوقين إلى عادات التسوق السابقة عند انتهاء الأزمة، سيعتاد البعض الآخر الوضع الجديد وسيواصلون التسوق إلكترونياً بكل أريحية.

وعوضاً عن الاكتفاء فقط بالنجاحات المحققة حتى الآن، لا بد لشركات التجزئة الإلكترونية من الاستفادة من هذه المكتسبات المفاجئة لتطوير استراتيجيات مربحة على المديين القصير والطويل. وقد يكون من السهل اليوم تحقيق أرباح سهلة في ظل امتنان المستهلكين واستعدادهم لغض النظر عن التأخر في مواعيد التوصيل وبعض الخلل في الخدمات. ولكن مع عودة الأمور لطبيعتها، ستحتاج شركات التجزئة الإلكترونية إلى تقديم قيمة فريدة ومستدامة كي تضمن نجاحها في بيئة العمل المقبلة التي ستكون أشد تنافسية وأقل تساهلاً. أما بالنسبة لشركات التجزئة التقليدية، فقد يكون اليوم أفضل من أي وقت مضى لخوض غمار التجارة الإلكترونية. إذ يمكنها بناء منصاتها الإلكترونية بسرعة وتسويق خدماتها بشكل فعال، بالتزامن مع تجهيز واختبار وتحسين قدراتها اللوجستية.

وينبغي لشركات التجزئة الإلكترونية المتمرسة العمل على استخلاص الحد الأقصى من الفوائد الناجمة عن ارتفاع الطلب على منصاتها، وتعزيز مرونتها، والاستثمار في التسويق، واستهداف عملاء جدد. كما يجب عليها تخفيف الضغط على سلاسل التوريد من خلال إعطاء الأولوية للمنتجات الأساسية، وإدارة المخزونات المتوافرة، وتطوير قدرات التوصيل، وتلبية متطلبات المتسوقين. من الضروري أن يكون اكتساب رضا وولاء المستهلك على المدى الطويل أولوية موازية، عبر تصميم تجربة تسوق إلكتروني سلسة ومريحة.

يكمن أحد تحديات النمو الرئيسة لسوق التجارة الإلكترونية في دول التعاون في انهيار حاجز التردد تجاه استخدام التسوق الإلكتروني لدى فئات عديدة من المستهلكين بشكل سريع. ولن تتاح أمام شركات التجزئة الإلكترونية فرصة أفضل من اليوم لتعزيز مكتسباتها وبناء منصات متينة للنجاح المستدام.

* بقلم: الدكتور أولريخ كويغلر، شريك ومها رعد، مدير أول، لدى ستراتيجي آند (جزء من شبكة بي دبليو سي)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات