السنن الاجتماعية في القرآن الكريم دلالاتها القيمية وأبعادها الحضارية

لمحات من أطروحة نالت فيها درجة الدكتوراه، أخيراً، مع مرتبة الشرف، الشيخة موزة بنت مبارك بن محمد آل نهيان، الغرسة اليانعة من غراس الشيخ مبارك بن محمد، رحمه الله.

وفي هذه اللمحات مررت على أسباب اختيار هذا البحث تحديداً وارتباط نقاطه العديدة بكتابنا الكريم والعلاقة البناءة بين هذه السنن ورخاء الناس وتقدم المجتمعات من أجل بناء عالم آمن تسوده روح التعاون والتعايش من أجل إعمار الأرض لكل من عليها.

وتشير الدكتورة إلى أن وضع المسلمين الحالي وتراجعهم يعود للجهل بهذه السنن وخصائصها، ولا بد من فهمها واتباع نهجها من أجل استعادة مكانتهم وإغلاق الطريق أمام الأفكار الهدامة التي تتسلل إلى المجتمعات.

وتضيف بأن عرض هذه السنن الاجتماعية هو كما وردت في القرآن الكريم بعد استقراء تام لكتاب الله مع تحديد أنواعها وخصائصها واستنباطها من الآيات الكريمة، ومن ثم لتسخيرها لتحقيق مفهوم الاستخلاف في الأرض بما تنسجم فيه المكونات المادية والقيم الروحية، وصولاً إلى حياة كريمة للفرد والمجتمع.

ولا يفوتنا أن موضوع السنن الاجتماعية في القرآن الكریم وثيق الصلة بالبناء الحضاري والجوانب المھمة في حیاتنا المعاصرة، وجل آیات كتابنا الكريم ناطقة بھذه السنن، وتدعو لتدبرها والعمل بنهجها وعدم وقوع المسلمين فيما وقع فيه من تخلى عن النهج القويم الذي شرعه الله لسعادة عباده في الدنيا والآخرة.

وعلى ضوء ھذه السنن یتم إصلاح المجتمعات، ویتحقق وعد التمكین الذي وعد ﷲ عز وجل به المؤمنين بقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

ومن تدبر آيات القرآن الكريم يجد أن أصول هذه السنن واضحة في مضامينها تحتاج لمن يبين أثرها على الفرد والمجتمع، ليتمكن المسلمون من خلالها من العودة إلى المجتمع الفاضل الذي أضاء نوره وتعددت صفاته في الكتاب الكريم وسنة نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم.

ويمكن تحديد أهمية السنن الاجتماعية في القرآن الكريم في ضرورتها من خلال كتابنا الكريم وتوضيح دلالاتها القيمية التي أصبحت مطلب الأفراد والمجتمعات على اختلاف توجهاتها في العصر الحاضر، إلى جانب التأصيل الشرعي ومطابقته على واقع حياة المجتمعات بحيث يعكس مرونة القرآن الكريم مع اتساع شرائعه، مع الامتثال لأوامر الله تعالى في تدبر القرآن الكريم ومعرفة سننه، يضاف إلى ذلك سعة وشمولية السنن الاجتماعية فيه للوفاء بمتطلبات العصر وبخاصة في عملية التجديد لإصلاح الفرد والمجتمع، مع بيان ضرورة رجوع المسلمين إلى الجوهر الذي لا يتغير وهو كتاب الله لمعرفة هذه السنن الاجتماعية واتباع نهجها لخيرهم.

أھداف بالغة الدلالة

رسمت هذه الأطروحة نهجاً وحكماً لتحقيق مفهوم الاستخلاف وعمارة الأرض من خلال معايير عميقة في القرآن الكريم ذات دلالات غابت عن كثيرين، إذ حقق الإنسان استثماراً ملحوظاً في خيرات الأرض، لكنه استمر يبحث عن الأمن في نفسه، ومن هنا عملت صاحبة الأطروحة على تحديد السنن الاجتماعية في كتابنا الكريم وأهميتها في مواجهة تحديات كثيرة في هذا العصر من خلال الرجوع إلى محكم آياته، وإدراك سنن الله تعالى لخير المجتمعات على اختلافها لبلوغ استخلاف الإنسان على الأرض وإعمارها بكل أمان، كل هذا مع إدراك الوعي الاجتماعي وبناء العقل السليم مع بيان منهجية السنن الاجتماعية لتحقيق الاستخلاف الذي وعد الله به عباده المؤمنين.

وخلصت الأطروحة إلى عدد من الوقفات الجديرة بالانتباه، ومنها أن كلمة سنن وردت في القرآن الكريم مفردة أو جمعاً، ثماني عشرة مرة في عشر سور مكية ومدنية، وجميع معانيها تشير إلى ما قضى به الله عز وجل فلاحاً وإخفاقاً، إلى جانب تأكيد الغاية من هذه السنن الاجتماعية في عون الإنسان لإعمار الأرض فهي من لدن خبير حكيم. ومع تقليب صفحات الأطروحة يقف كل منا عند نقاط لافتة للنظر ومنها أن الإفادة من السنن الاجتماعية مرتبطة بمراعاة القيم الإنسانية لأن التصور القرآني لها يقوم على:

1 - أصل وحدة البشر وتميزهم بالتقوى والإيمان.

2 - الغاية من الاختلاف بين البشر هو الاتصال المعرفي.

3 - القيم القرآنية توصي بمراعاة الأسرة الواحدة ومنها الأهل فالقبيلة والمجتمع المحلي فالدولي.

4 - القيم الإنسانية أساس العلاقات البشرية في استخلاف الإنسان من الله للإعمار.

وانتهت الأطروحة بعدد من التوصيات المهمة ومنها ضرورة إلزام وزارات التعليم العالي في الدول الإسلامية بتدريس مادة السنن الاجتماعية في القرآن الكريم مادة مستقلة، إلى جانب إعداد كتب من مراكز البحث العلمي في الموضوع نفسه لإصلاح الواقع واستشراف المستقبل مع دعم الأبحاث والدراسات الاجتماعية وربطها بالقرآن الكريم لتكون ذات دور فاعل في مواجهة التحديات التي يعيشها المجتمع.

الشكر والتقدير لصاحبة الرسالة الاستشرافية الشيخة الدكتورة موزة بنت مبارك بنت محمد آل نهيان، مع أمنياتي للجميع بقراءة ممتعة للكتاب عند صدوره.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات