الحياة الطبيعية تعود ولكن!

أدى انتشار فيروس «كورونا» المستجد الذي اجتاح مختلف قارات العالم إلى توقف الحياة الطبيعية في شتى الدول، وإلغاء كافة التجمعات، ما تسبب في شل شرايين الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتعطل مصالح ملايين البشر، الذين أصبحوا مجبرين على البقاء في بيوتهم، حماية لأنفسهم ولغيرهم من الوباء المستطير الذي أصاب الملايين بالمرض والضرر وأودى بحياة الألوف من البشر.

لقد كانت هذه التدابير الاحترازية التي اتخذتها الدول في الفترة السابقة ضرورة كبرى في التعامل مع هذا الفيروس الذي فاجأ العالم كله من غير ميعاد، ما تطلب تعاملاً استثنائياً لمواجهة هذه الأزمة العالمية الخطيرة، في ظل ما تميّز به الفيروس من سرعة العدوى والانتقال والتهديد المباشر لحياة البشر.

وقد ساهمت هذه الإجراءات بحمد الله في الحد من انتشار الوباء، وأعطت الفرصة للخبراء لتوسيع قواعد معرفتهم بهذا الفيروس وآلياته وطرق الوقاية منه، وصولاً إلى السعي الدؤوب لاكتشاف علاج مأمول له.

وبمقدار ما ساهمت به هذه الإجراءات من تحقيق هذه الإيجابيات، فقد كانت لها تداعيات سلبية كبيرة أيضاً، إذْ تسببت بانقطاع الناس عن أعمالهم وتعطل مصالح العباد والبلاد.

وكذلك كانت لها آثار نفسية واجتماعية عامة ألقت بثقلها على الجميع، ما تطلب وضع استراتيجية جديدة للتوازن بين كافة هذه المتطلبات، وهنا جاءت مرحلة التخفيف من القيود والعودة الجزئية للعمل والأنشطة لاستعادة الحياة الطبيعية، بعد أن أصبح العالم أكثر وعياً وإدراكاً واستعداداً لمواجهة هذا الفيروس الذي لا يزال خطره محدقاً بالجميع في مختلف أصقاع الأرض.

بعد شهرين من القيود والإجراءات العالمية المشددة لمواجهة الوباء يتطلع العالم اليوم إلى انفراجة في الحياة الطبيعية، بعودة الناس إلى أعمالهم، واستئناف الأنشطة المختلفة، وتُعوِّل الدول بالدرجة الأولى على شعوبها، على وعيهم وانضباطهم والتزامهم بإجراءات السلامة، لإنجاح هذه المرحلة الضرورية من مسيرة الحياة الإنسانية.

فالمواطن اليوم في أي بلد هو رأس الحربة في هذه المعركة، بالتزامه التام بتدابير الوقاية، لتشكل هذه الأزمة مدرسة إنسانية كبرى لترسيخ مبادئ الانضباط والالتزام وترسيخ روح المسؤولية والتضامن المشترك بين البشر جميعاً، لتعود الحياة الطبيعية إلى سالف عهدها وأفضل، ويصبح العالم أقوى بخوض هذه التجربة، التي تعرَّف فيها على جوانب النقص والقصور لديه؛ ليكون ذلك دافعاً له للأخذ بزمام المبادرة لمواجهة أي أزمات قادمة لا قدر الله.

إن فرحة الإنسان بالعودة التدريجية للحياة الطبيعية، تفرض عليه لزاماً اتخاذ جميع الأسباب لاستدامة هذه الفرحة الكبيرة وصولاً إلى العودة الكاملة للحياة الطبيعية، بإذن الله تعالى، وشكر الله تعالى على هذه النعمة، وشكر القيادة الحكيمة التي تعمل ليل نهار بمختلف كوادرها وفق أرقى المعايير لضمان سلامة الجميع وصيانة مصالحهم، ومن أهم الواجبات الملقاة على كاهل كل فرد في هذه المرحلة تحمّل مسؤولية المحافظة على نفسه وغيره من خلال الالتزام بإجراءات الوقاية.

إن هذه المرحلة تتطلب من الجميع التحلي بالوعي التام بطبيعتها، ومن أهم ذلك الوعي بأن العودة التدريجية للحياة الطبيعية لا تعني زوال خطر الوباء، وأن الفرحة لا تعني التهاون في إجراءات السلامة، وإنما استراتيجية العودة ضرورة اقتضتها عوامل كثيرة اقتصادية واجتماعية ونفسية وغيرها، والإنسان بطبيعة الحال .

كما هو معروف كائن اجتماعي لا يستطيع إمضاء حياته معزولاً عن بني جنسه وعن العالم الذي فيه مصالحه، وتلبية هذه الحاجة الإنسانية الضرورية في ظل الظروف الحالية تقتضي من الجميع التحلي بأقصى درجات الحرص، والتقيد التام بإجراءات الوقاية سواء في وظائفنا أو حياتنا اليومية، وألا نستهين بذلك أبداً، ليكون كل فرد منا عنصراً إيجابياً فعالاً يسهم في عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي.

لنكن خير عون وسند لدولتنا وقيادتنا في إنجاح مسيرتنا المشرقة في العودة الطبيعية للحياة، والتحلي بإجراءات الوقاية والسلامة، إلى أن تنفرج هذه الأزمة بالكلية.

نسأل الله العلي القدير أن يزيل هذه الغمة، ويرفع البلاء، ويحفظنا بحفظه، ويعيننا ويوفقنا لتحقيق مصالح ديننا ودنيانا.

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات