حديث التسامح والاختيار

حين تشير عقارب الساعة إلى التاسعة مساء، تخلو شوارع القاهرة من ناسها، ليس فقط لأنها الساعة التي يبدأ عندها الحظر المنزلي، حتى صباح اليوم التالي.

بل كذلك لكي يتحلق المواطنون حول شاشات التلفزيون لمتابعة ملحمة مسلسل «الاختيار»، الذي يجسد حرباً ضارية غير معهودة، تخوضها على أرض سيناء الحبيبة - مطمع الغزاة والمستعمرين منذ فجر التاريخ - طواقم الجيش المصري ببسالة، لمواجهة عدو غامض، ينتعش وتنتفخ أوداجه، برؤية الدماء وأشلاء الجثث، وركام المباني وحطام البيوت، وصراخ الأطفال ولوعة الأرامل وفجيعة الثكالى.

عدو فاجر، ينشر الخراب وهو يهتف زوراً باسم الله، تزوده بآليات عنيفة جهات محددة الأسماء على موقع خرائط العالم، وتغمض العين عنها المصالح المتضاربة للمجتمع الدولي، الذي انتفض قادته وشدوا الرحال جماعة إلى باريس لإعلان التضامن الأممي مع فرنسا، حين تعرضت لموجة من الإرهاب، وتقاعسوا عن عمل مشترك لمواجهة الإرهاب على المستويين الدولي والإقليمي.

وترفض بعض دوله بإصرار وضع جماعة الإخوان، التي تناسل من جعبتها، كل التنظيمات الإرهابية المنتشرة في منطقتنا وفي شمالي أفريقيا في مصاف التنظيمات الإرهابية، بل إن بعضها تفتح أراضيها لإيواء التنظيم الدولي للجماعة وتمنحه الدعم والمساندة!

لست بصدد الحديث عن مسلسل «الاختيار» وبراعة أداء ممثليه ومهارة إخراجه، وتناغم مجمل عناصره الفنية، ولا عن المعالجة الأولى من نوعها في الدراما العربية لشخصية الإرهابي.

حيث لا ترخص ولا استخفاف بتركيبته النفسية والعقلية والفكرية المشوهة التي تحتاج إلى مواجهة مخططة وعلمية، تماماً مثل المواجهة العسكرية تبدأ من المناهج الدراسية الأولى وحتى الجامعية، ولا تنتهي بتحديث الخطاب الإعلامي والثقافي والديني، بل بالعمل الدؤوب لتنمية ثقافة الحوار والاختلاف والتسامح في مجتمعاتنا.

نعم التسامح الذي يشكل الوجه الآخر لفكرة اعتراف كل أطراف المجتمع وأفراده بحق الآخرين في أن يختلفوا عنهم في الدين والمذهب الديني وفي الرأي السياسي وفي الموقف الفكري، وفي اللون والجنس وفي العرق، حيث يتوحد المجتمع بثراء تنوعه وتعدده. فالتسامح هو وحده ما يحول دون أن يكون الاختلاف مبرراً لكراهية المختلف، أو الانتقاص من حقوقه أو التمييز ضده.

يقول نجيب محفوظ إن الوحش قديم والإنسان حديث. فقد سادت حالة من عدم التسامح في المجتمعات البدائية التي عرفها الإنسان، لأنها قامت على أساس القوة البدنية، أصبح القوي يستعبد الضعيف، ثم سارت البشرية نحو التمييز على أساس الثروة، غني وفقير، وعلى أساس اللون، أبيض وأصفر وأسود، وعلى أساس الجنس، ذكر وأنثى، وعلى أساس القوة العددية، أغلبية وأقلية، وهو ما أنشأ كافة أشكال التعصب، التي تقود بمنتهى اليسر نحو كراهية المختلف فقط لأنه مختلف، وإلى رواج أفكار من قبيل ما لم يكن الآخر مثلي فهو ضدي أو أقل مني.

هذا فضلاً عن بروز تفسيرات دينية واجتماعية وسياسية، تنَظر لهذا التمييز ضد المختلف، وتبرره، وهو ما كبد البشرية أثماناً غالية لتلك النظرة غير المتسامحة مع فكرة الاختلاف، تمثلت في حروب دينية ومذهبية وسياسية واستعمارية، قضت على الأخضر واليابس.

حين بلغت البشرية مرحلة الرشد، بنت حضارتها الحديثة على مبادئ أساسية ضد التعصب وضد عدم التسامح، وأصدرت دساتير ترجمت شعارات الثورة الفرنسية عن الحرية والمساواة والإخاء. ومع تطور المجتمع البشري نشأت الحركات العالمية الداعية للتسامح واحترام حقوق الإنسان والمواطنة، وتكونت منظمات حقوقية ترصد كل أشكال التمييز ضد البشر، ومناهضة التعصب واللاتسامح.

ولكن المفارقة أن أشكال كل ذلك التمييز أخذت تنمو وتنتشر في المجتمعات المتقدمة وغير المتقدمة على السواء، بسبب النمو غير المتكافئ في نمطي الإنتاج في المجتمعين من جهة، وافتقاد العدالة في القرار الدولي في ما يخص الدول الصغيرة من جهة أخرى!

تداعت إلى ذهني تلك الأفكار وأنا أتابع مع ملايين غيري المسلسل الوطني «الاختيار» وأتأمل كيف تتشكل عقلية الإرهابي، الذي يهجر أهله وبلده، ويتمحور حول ذاته، بإحساسين طاغيين متناقضين، الشعور بالعظمة والشعور بالاضطهاد والنقص.

إنه التعصب الذي يبدأ من افتراض خطأ أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأنه أفضل من غيره، ولا يتسامح مع اختلافه عنه، فتراق الدماء لمحو هذا المختلف من على وجه البسيطة. لذا فإن نشر التسامح والتفكير العلمي والعقلاني في المجتمعات العربية خطوة لا بديل عنها لمكافحة التعصب واللاتسامح والإرهاب.

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email