التعايش السلمي الفيروسي

المؤكد أن الفهم الكامل لبنية البروتينات التي يتكون منها «كورونا المستجد» لم يتحقق بعد. والمؤكد أن تحديد الفئات الأكثر عرضة للعدوى لم يعد تحديداً جازماً.

والمؤكد أن سباق الوصول إلى لقاح لم يصل نقطة النهاية أو حتى يقترب منها. والمؤكد أن الإعلان عن علاج ناجع لا يتوقع أن يكون في المستقبل القريب. لكن المؤكد أن البشرية ستتعايش مع الفيروس، شاءت أم أبت، تيسرت لها الأفكار والخطوات أو تعثرت، استعدت لما هو آت لا محالة أو تقاعست.

والتقاعس فيما نمر به ويمر علينا هذه الآونة من نظام عالمي جديد فعلاً لا قولاً، وفرضاً لا اختياراً جريمة كبرى في حق الكوكب بأكمله. والارتكان إلى نظريات المؤامرة المريحة حيث دولة أ خَلّقت الفيروس لتهيمن على دولة ب، أو أن دولة ج خططت ودبرت للاستفادة من انقلاب اقتصاد العالم رأساً على عقب وغيرها، قد يسبب الإثارة أو يجذب المتابعة، لكنه لن يجدي. والإغراق في التكهنات حول إذا ما كان الفيروس تسرب بالخطأ من مركز علمي هنا أو نجم عن تلاعب بشري في النظام البيئي هناك ليس إلا إهداراً للوقت والجهد. والهروب من «عكننة» أخبار الفيروس وقفزاته العنترية وتطوراته العشوائية بالإفراط في الترفيه والغلو في التنكيت مخدر سيزول أثره إن لم يكن اليوم فغداً.

غداً يبدأ اليوم بالاستعداد للتعايش مع الفيروس إلى أن يأذن الله أمراً، سواء كان مصلاً أو علاجاً أو مناعة قطيع. وشك المؤشرات التي ظلت تتواتر أمام أعيننا طيلة الأشهر الماضية حول الفيروس قطعه يقين تصريح منظمة الصحة العالمية بأن «فيروس كورونا قد لا يختفي قط». البيانات المتضاربة والمعلومات المتداخلة والشروحات التي اتضح فيما بعد أنها ناقصة في بدايات الجائحة أدت إلى الكثير من التوقعات المتضاربة بين البشرية. موجات تفاؤل مع هبات تشاؤم، انتظار لزوال الغمة بعد أيام ثم أسابيع وأخيراً شهور، اعتقاد بأن عودة الحياة إلى طبيعتها مسألة وقت، تخوفات من أن تؤثر الأوضاع على صحة الملايين النفسية ناهيك عن ظلال اقتصادية وخيمة ظن البعض أنها مؤقتة لكن اتضح أنها باقية معنا. هذه الأجواء الضبابية أنهتها منظمة الصحة العالمية بقولها إن الفيروس «قد لا يختفي قط».

عدم اختفاء فيروس «قط» يعني أن البشرية ستتعايش معه بشكل أو بآخر. لم تعد هناك اختيارات، وبالتالي، سيعاد ترتيب المجتمعات في النظام العالمي بناء على قدراتها وإبداعاتها واستعداداتها للتعايش مع «كورونا». توافر الأموال سيساعد بالطبع على إتاحة متطلبات مثل التباعد الاجتماعي وتوفير أماكن العزل وأجهزة التنفس الصناعي وغيرها. ووجود بنية تحتية لإدارة عمليات التعليم والعمل عن بعد عبر الإنترنت سيسهم في تيسير مجريات الحياة. وتوافر الكيانات الإعلامية والثقافية المدربة والمؤهلة القادرة على رفع وعي المواطنين واستدامة تقديم نصائح التعامل والإبلاغ كفيلة بتحقيق جانب لا بأس به من الوقاية والحماية. ووجود لجان أوهيئات لإدارة الأزمات ورصد التطورات والخروج بتصورات لتحديث التعامل في ظل الفيروس من شأنه أن يزود المجتمعات بدرجة من المرونة تمكنها من المضي قدماً في تأسيس قواعد جديدة للمعيشة تضمن حداً أدنى من الصحة النفسية.

لذلك ينبئنا عقرب الثواني أن رفاهية الوقت ورغد الانتظار وبحبوحة التنظير لم تعد لدينا. المرحلة الآنية هي مرحلة دخول زمن التعايش مع الفيروس بكلتا القدمين. الخروج من إجراءات الإغلاق بات ضرورياً، ومعه بات التأسيس لزمن التعايش أكثر ضرورة.

عقود طويلة أمضيناها في دعوات ومحاولات وكر وفر وفشل ونجاح في ملف التعايش مع الآخر. الآخر المختلف عنا في المعتقد أو اللون أو العرق أو السياسة أو الحضارة أو الثقافة أو كل ما سبق يقف معنا على الجبهة نفسها في زمن التعايش مع الفيروس، وفي ذلك عبرة كبرى.

ويظل الأمل الأكبر في أن يؤدي زمن التعايش مع الفيروس إلى تعامل مختلف مع كوارث العالم التي هي من صنع الإنسان: صراعات مسلحة، تناحرات بين جماعات ودول، احتقانات سياسية، إغراقات في جهل وخرافة ودجل وشعوذة.

وبينما الفيروس لم يحسم أمره بعد فيما سيفعله بنا، يسير النظام العالمي الجديد المتعايش مع الفيروس قدماً، حيث لا التفات لمن قرر عدم الانضمام ولا افتئات على نظام قديم ثبت هزاله واتضح عجزه. إننا نستهل زمن التعايش السلمي الفيروسي.

* كاتبة صحفية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات