قيم التوكّل في التصدي لـ«كورونا»

التوكل قيمة كبرى في حياة المؤمنين، تتوجه به قلوبهم إلى خالقهم في مختلف الظروف والأحوال، وخاصة في وقت الشدائد والمحن، يستمدون منه العون والتوفيق لزوال الغُمة وانكشاف الكُربة، ويأخذون بالأسباب التي تعينهم على ذلك.

وما أحوجنا في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به العالم نتيجة فيروس «كورونا» المستجد أن نجدد توكلنا على الله تعالى، نلجأ إليه سبحانه في هذه المحنة، ونُعلِّق قلوبنا به، فمهما بلغت البشرية من تقدم وتطوّر فإنهم لا يستغنون عن خالقهم طرفة عين.

والناظر في هذا الحدث الجلل يجد فيه أبلغ عبرة وعظة، فها هو شيء طفيلي مجهري لا تتجاوز مكوناته مادة وراثية وغلاف بروتيني ويكتنفه جدل علمي وفلسفي حول كونه كائناً حياً أم لا يغزو العالم كله، ويشل حركته أرضاً وجواً وبحراً، ويهدد حياة الملايين من البشر، الذين يحاولون بأرقى تقنياتهم وأحدث علومهم وأرقى عقولهم وأقوى إمكاناتهم مواجهته والتصدي له، فما أحوج الخلق إلى رحمة الله ومعونته وتوفيقه.

ومن حِكَم الابتلاءات التي أخبر الله بها أن يرجع الناس إلى الله، ويتخلصوا من أي قيم سلبية تبعدهم عن قيم الخير، كالغفلة والغرور وسوء العمل والتدبير، قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}، فيتواضع الإنسان لخالقه، ويعلم حجمه في هذا الكون، وأن ما أعطاه الله من المميزات التي جعلته كائناً أسمى في هذه الأرض إنما هو لغاية عظيمة وهي عمارة الأرض بالخيرات والفضائل.

فلا يبغي أحد على أحد، ولا يتكبر مخلوق على آخر، وأن يضع الإنسان بعين الاعتبار في أعماله وإنجازاته المحافظة على هذه الأرض موطن عيشه وسكنه، وعلى من فيها وما فيها، فكم تسبب التلوث من أزمات، وكم نجم عن الإسراف وسوء الاستهلاك من مشكلات، وكم آذى بعض البشر الحياة النباتية والحيوانية، بل كم جنى البشر بعضهم على بعض في الحروب والصراعات، ففي هذه الأزمة درس للإنسان لمراجعة نفسه، وتصحيح مساره، والعودة إلى الله تعالى، والتمسك بقيمه العليا التي فيها خير البشرية.

ومن قيم التوكل التي لا يستغني عنها المؤمن في كل شيء وخاصة في الأزمات ومنها أزمة «كورونا» حسن الظن بالله، واستصحاب الأمل والتفاؤل، وعدم اليأس والقنوط، فمهما اشتد الأمر وتراكم الكرب فإن مع العسر يسرا، وما بعد الشدة إلا الفرج، فيقتبس الإنسان من الأمل مشاعلَ سعادةٍ تضيء حياته وسط ظلمات الأزمات.

ويستمد منه الطاقة للبحث عن الباب الذي يقوده إلى النور، فيتمسك بالحياة، وينظر إلى ما وراء الغيوم من الغيث والخير، فيكون ذلك دافعاً له لتجاوز الأزمات والتغلب على التحديات بكل قوة وعزيمة وإصرار.

ومن قيم التوكل التي دعا إليها الدين الإسلامي الحنيف وأكدها غاية التأكيد الأخذ بالأسباب، بالالتزام بالتدابير الوقائية للاحتراز من الفيروس وحماية المجتمع منه، فمن ضروريات الإسلام الكبرى حفظ النفوس، وعدم تعريضها للتهلكة، وكذلك من الأخذ بالأسباب الاجتهاد في البحث العلمي للتوصل إلى علاج لهذا الوباء.

فما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء، وهنا يأتي دور العلماء والخبراء والباحثين في بذل كل جهدهم لنفع البشرية في هذا المجال، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.

ومن صور التوكل على الله تعالى، الابتهال إليه بالدعاء، بقلوب ملؤها الرجاء، وخاصة في أوقات الإجابة، فما أحوج البشرية جمعاء إلى أن يجددوا علاقتهم بربهم ويتوجهوا إليه بالدعاء مبتهلين مخلصين، وأن يجعلوا طاعة ربهم والتمسك بقيمه العليا نبراساً مستداماً لهم في حياتهم، قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}، وقال عز وجل: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}.

والتوكل على الله مفتاح للسمو الإيماني والرقي الأخلاقي والتقدم العلمي، فلا يزال الإنسان بالتوكل يقوي عزيمته ويستمد من الله العون على الارتقاء بنفسه إيمانياً وأخلاقياً، وخاصة في الأزمات كأزمة «كورونا»، التي تتطلب من الجميع الصبر والتحمل وسعة الصدر والتعاون وحسن الأخلاق، ولا يزال العلماء بالتوكل والاستعانة بالله يبحثون ويكتشفون، منتقلين من قمة علمية إلى أخرى، ليفيدوا البشرية بما يدفع عنهم الوباء ويحميهم منه.

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات