الاقتصاد الإسلامي حصن النمو المستدام في مواجهة «كورونا»

يمر العالم حالياً بظروف استثنائية، لم تعاصر الأجيال الحالية مثيل لها، إذ أدى تفشي وباء «كورونا» المستجد، إلى اتخاذ الحكومات حول العالم تدابير غير مسبوقة لحفظ الأرواح، وضمان سلامة الناس، وكان لهذه التدابير آثار سلبية واضحة في كافة الأنشطة. وتشير تقديرات أولية، إلى أن العالم بصدد أزمة اقتصادية مؤثرة، بل إن هناك من يتحدث عن بوادر ركود اقتصادي عميق، يشبه الكساد العظيم الذي عانى منه العالم، مطلع القرن الماضي. ورغم رفع هذه الإجراءات الاحترازية جزئياً، وإعادة السماح للعديد من الأنشطة الاقتصادية، بالعمل في عدد من دول العالم، إلا أن التحديات الاقتصادية لمرحلة ما بعد «كورونا» ما زالت قائمة.

ورغم هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد العالمي حالياً، إلا أن هناك أكثر من بارقة أمل بدأت تلوح في الأفق، أولها: النجاح النسبي الذي حققته عدد من الدول في السيطرة نسبياً على تفشي الوباء، وإعادة تشغيل العديد من الأنشطة الاقتصادية جزئياً، بعد شهور من الإغلاق التام.

وثانيها: إعلان عدد من الدول، دراسة إنهاء الإغلاق التام، وإعادة الحياة والأنشطة الاقتصادية إلى طبيعتها تدريجياً، الشهر المقبل، وثالثها: الجهود الدؤوبة للتوصل إلى لقاح ناجع، وبروتوكولات علاجية فعالة للقضاء على الفيروس، وهي الجهود التي وصلت إلى مراحل متقدمة، تبشر بأخبار سارة قريبة.

وقريباً -بإذن الله- ومع انتهاء التدابير الاحترازية الحازمة التي اتخذتها أغلب دول العالم، لكبح جماح تفشي الوباء، وضمان سلامة سكانها، من منطلق أن حياة الناس أولوية، مقارنة بالاقتصاد ومعدلات نموه، سيكون العالم أمام تحدٍ جديد، وهو حصر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن «كورونا»، ومن ثم بدء التعامل مع تداعيات هذه الخسائر وطرق علاجها، وإعادة الاقتصاد العالمي، إلى مسار النمو مرة أخرى.

لقد توقع تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، الصادر منذ أيام عن صندوق النقد الدولي، انكماشاً اقتصادياً بنسبة 3 %، يخسر بسببه الاقتصاد العالمي نحو 9 تريليونات دولار في عامي 2020 و2021، وهذا الانكماش سيطال أغلب دول العالم بنسب مختلفة، وباستثناءات محدودة للغاية.

ومن الطبيعي أن يطال منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها جزءاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي، جانب من هذا التراجع الاقتصادي، لكن في المقابل، فإن هناك تقارير متفائلة تجاه الأوضاع الاقتصادية بالمنطقة، بعد انحسار «كورونا»، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته «إيكونوميست»، بمشاركة كبار رجال الأعمال في المنطقة، أن نحو 50 % يعتقدون أن النشاط سيعود بسرعة إلى المستويات العادية، أو أعلى مما كان عليه قبل «كورونا».

إن العالم في مرحلة ما بعد «كورونا»، سيكون أكثر إدراكاً لأهمية الاقتصاد الإسلامي القائم على عدة مبادئ، أبرزها أن أولوية الاستثمار، يجب أن تكون من نصيب السلع الأساسية والقطاعات الحقيقية، التي تستجيب لحاجات الناس اليومية، أي القطاعات المعيشية، بما فيها الأغذية والمشروبات والملابس، صاحبة النصيب الأكبر من النمو، لأنها تتسم بطلب يومي مستمر لا ينقطع، ولا يتأثر بمخاطر التقلبات الاقتصادية. والاستثمار في هذه القطاعات الحقيقية لا يمنح المستثمر الأرباح واستدامة النمو فقط، بل يوفر له الحماية من أي انتكاسات قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي. كما أن الاقتصاد الإسلامي في جوهره، اقتصادي أخلاقي، يدعم التنمية الشاملة المستدامة.

ومما لا شك فيه، أن الظروف الراهنة التي يمر بها العالم، تثبت دقة الرؤية الاستشرافية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، الذي أطلق مبادرة الاقتصاد الإسلامي عام 2013، باعتباره ركيزة راسخة للاقتصاد المتين القائم على مفهوم النمو المستدام، وكونه منظومة اقتصادية أكثر عدلاً وشفافية، تحقق التوازن المطلوب في عملية إنتاج الثروات وتوزيعها.

كما يدعم الغايات النبيلة للتنمية الشاملة وطويلة الأمد، والتي تتماشى مع مبادئ وأخلاقيات الاقتصاد الإسلامي، الذي يحقق النمو المستدام، وذلك باعتبار الاقتصاد الإسلامي منظومة تتناغم فيها الأخلاق مع الإبداع في العمل، والالتزام العالي بغايات التنمية الحقيقية، لتعطي نتائجها بحجم آمال وتطلعات كافة شعوب الأرض، مهما اختلفت الساحات أو العوامل والظروف.

إن حجم الاقتصاد الإسلامي عالمياً، والذي وصلت قيمة الأصول المالية فيه إلى 2.4 تريليون دولار عام 2017، لهو ضمانة لاستئناف النمو المستدام في كافة الظروف، واللافت هنا، أنه من بين أبرز الدروس المستفادة من الأزمة المالية العالمية عام 2008، أن الشركات -بما فيها العالمية- التي كانت تتبع آليات التمويل الإسلامي، لم تتأثر مثل غيرها من الشركات والبنوك التي لا تتعامل مع الآليات ذاتها، كما أن هذه الأزمة المالية العالمية، جعلت المستثمرين يضعون التمويل الإسلامي الإنساني الآمن نصب أعينهم، وهو ما زاد الطلب على منتجاته بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية.

كما أن التكافل الذي يعد من أبرز قطاعات الاقتصاد الإسلامي، يمثل جوهر ثقافة ورسالة منظومة الاقتصاد الإسلامي بشكل عام، لأن الأصل في النشاط الاقتصادي، هو أن يكون قادراً على خلق بيئة آمنة، تحفّز الأفراد على الإنتاج، وتوفر لهم مقومات العيش الكريم في كافة الظروف.

نعلم أن العالم ينتظره الكثير من العمل بعد انحسار فيروس «كورونا»، قريباً بإذن الله، وهنا، يجب التأكيد على أن صدارة الإمارات للعديد من القطاعات الحيوية في الاقتصاد الإسلامي، يؤهلها لريادة جهود التعاون والتكاتف مع مختلف دول العالم، لاستئناف كافة مسارات التنمية الاقتصادية المستدامة لخير الإنسانية. كما أن مناقشة مجلس الوزراء استراتيجية دولة الإمارات ما بعد «كوفيد 19».

والتي سيتم بموجبها رسم خطط عمل، ووضع أهداف محددة، ومستهدفات عاجلة وآجلة لتلبية الاحتياجات التنموية الملحة والتصدي للتحديات الحالية الناجمة، سيعزز من دور الدولة إقليمياً وعالمياً في اقتصاد ما بعد «كورونا»، خصوصاً أن هذه الاستراتيجية التي ستقوم بصياغتها فرق عمل احترافية، ستأخذ في الحسبان المستجدات والتطورات في مختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية والمجتمعية والخدمية والتكنولوجية، في إطار المحيط الإقليمي للدولة، وضمن المنظومة العالمية ككل.

 

المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات