العمل الإنساني للشيخ زايد..غراس في قلبه وإحساسه

في ذكرى وفاته في الـ 19 من رمضان، الموافق الثاني من نوفمبر من عام 2004 يعود أمامنا شريط حافل للعمل السياسي والإنساني للشيخ زايد القائد الإنسان، رحمه الله، حقيقة مستمرة لأن بصماته ما زالت تتحدث عن نفسها فوق كل شبر من أرض دولة الإمارات العربية المتحدة التي وضع أسسها مع إخوانه رحمهم الله، وها هم أبناء زايد يعلون الصرح أكثر قوة ومنعة تحت الراية التي رفعها بعد أطول رحلة لرفع علم في التاريخ استغرقت 1384 يوماً منذ لقائه بأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يوم 17 فبراير 1968 لبحث مصير المنطقة وضرورة قيام اتحاد يحميها.ومن واقع المعايشة المستمرة لـ 34 عاماً في تغطية فعاليات ونشاطات ومؤتمرات وجولات الشيخ زايد، رحمه الله، داخل الإمارات وخارجها فقد أوجزت صفاته الإنسانية كما رصدتها في فكره وقلبه في 3 كلمات تغني عن كثير تشرف بها كتابي الذي أصدرته بعد وفاته بعنوان: «زايد ثالث العمرين».

وبعيداً عن المواضيع والأحداث الساخنة سياسياً والتي كانت تشغل فكره، رحمه الله، إقليمياً وعربياً ودولياً وكان في معظمها محوراً فاعلاً بتدخل منه أو بطلب من أطراف أخرى ثقة منهم بفكره وعدالته وبعده السياسي، فإننا اليوم نقف على إشراقات مضيئة للشيخ زايد، رحمه الله.

شعور الإنسان وليس لأنه حاكم

منذ اليوم الأول لتسلمه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي يوم السبت الموافق لـ 6 أغسطس من عام 1966 بدأ يستقبل في قصر الحصن أبناءه المواطنين لتهنئته وإبلاغه في الوقت نفسه عن صعوبة معيشتهم في ذلك الوقت، وبسؤاله ممثلي البنكين العثماني والبريطاني للشرق الأوسط أفاداه بأن لحكومة أبوظبي 70 مليون دولار من عائدات النفط و30 مليوناً من مصادر مختلفة، وفي الحال يطلب، رحمه الله، منهما تزويده بمئات الظروف في كل منها مبلغ من المال وطلب من المسؤولين في الديوان التوجه إلى بيوت المواطنين لدعوتهم بالحضور إلى قصر الحصن. وأخذ طابور المهنئين يزداد عدده كل يوم بعد أن انضم إليه أخوة لهم من إمارات أخرى، وبلغ مجموع ما تسلموه خلال أسبوعين ما يقرب من 20 مليون دولار، وكان يسلم الظرف بيده الكريمة لكل واحد وهو يقول: «هذا لعيالك، اصرفه بحق الله».

في اليوم التالي أوفى بوعده

في إحدى جولاته السنوية في أنحاء الإمارات، والتي كانت تمتد شهراً وأكثر، حيث يتخذ من الخوانيج في دبي مقراً ينطلق منه كل يوم في جولته ويعود مع نهاية النهار. وفي أحد أيام شهر مايو 1974 التقى في الخران بالشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة آنذاك، رحمه الله، وفي مجلسه في خيمة بالخران استمع الشيخ زايد، طيب الله ثراه، إلى مواطن مسن من الشحوح يشكو صعوبة الطريق الجبلي في نقل اللوازم والمواد والحمولات إلى دورهم، حيث يقيمون، وفي اليوم التالي صعد الشيخ زايد، رحمه الله، ومرافقوه إلى الموقع ووراءه سيارة شاحنة وعليها أكياس الدقيق والأرز والسكر مع زيوت ودهون بكميات كبيرة واستقبله أبناؤه المواطنون بسعادة غامرة لزيارته المفاجئة. وبعد 6 أشهر كان الطريق إليهم معبداً باتجاهين.

العطاء مع التأكد من وصوله

في رحلة القنص إلى رحيميارخان في باكستان عام 1976، وفي الصباح الباكر انطلق الركب إلى موقع القنص، وتوقف لحظة عند مجموعة من الرجال جالسين على الرمل لسؤالهم عن أماكن وجود الحبارى، وتابعوا السير بعد أن ألقت لهم عربة خلفية أكياساً فيها هدايا، وفي أقل من دقيقتين يعود الركب إلى مكان جلوس الرجال ويعطونهم كيساً خامساً، وذلك بعد أن سأل الشيخ زايد، رحمه الله، عن عدد الأكياس التي أعطوها فقالوا 4 ولاحظ أنهم 5 رجال فطلب العودة.

عطاء كثير وهو يملك القليل

كان الشيخ زايد، رحمه الله، في زيارة رسمية في لندن عندما اندلعت حرب مصر وسوريا لتحرير سيناء والجولان المحتلين بعد ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973، وبعد أن اطمأن إلى الخبر باتصاله برئيسي البلدين هاتفياً قال لهما زايد: «معكما وإمكانات الإمارات في معركة الكرامة العربية»، وكان له، رحمه الله، فعاليات عديدة في لندن لدعم الأشقاء، لكن أبرزها كان حصوله على قرض بـ 100 مليون دولار من لندن ميدلاند بنك وتحويله إلى مصر العربية لتغطية شراء قطع للطيران الحربي المصري بطلب من قائد سلاح الجو اللواء حسني مبارك إلى الرئيس السادات، رحمهما الله، وكانت الإمارات لم تكمل سنتين على قيامها.

بعد عودته إلى البلاد أعلن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، قطع النفط بالكامل عن كل من يؤيد العدو في الحرب، وذهبت مقولته في أعماق قلوب أمته العربية: «ليس البترول العربي أغلى من الدم العربي». وفي مؤتمر صحافي عقد في قصر البحر في أبوظبي بعد صلاة تراويح يوم السبت 20 أكتوبر أجاب، رحمه الله، على أحد أسئلة الصحفية الأمريكية كريستينا وكانت تجلس على أرض المجلس عن يمينه حول كيفية تنفيذ مشاريع كثيرة في هذه الدولة الحديثة وقد قطعتم النفط، فقال:«آباؤنا وأجدادنا كانوا يأكلون التمر ونحن مستعدون أن نعود لنأكله من أجل أن نعطي أشقاءنا».

عطاء بلا حدود

من الزيارات التي عشتها وما زالت راسخة في قلبي وفكري كما لو أنها حدثت أمس، افتتاح الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يوم 26 أكتوبر 1976 وبعد انتهاء اجتماعات القمة العربية الـ 8 في القاهرة، حي الشيخ زايد في الإسماعيلية، المؤلف من 4500 شقة سكنية حديثة هدية منه لمن دمرت بيوتهم.وفي صورة أخرى من الهند بعد وصوله يوم الأول من يناير 1975 واستقباله من الرئيس فخر الدين علي أحمد ورئيسة الوزراء أنديرا غاندي، توجه بعد يومين إلى منطقة أليجار الإسلامية وزار جامعتها وقدم لهم تكاليف إقامة كلية لصناعة البترول تخرج فيها حتى نهاية العام الدراسي 2017 قرابة 14890 طالباً وطالبة.

وفي زيارة يوم واحد لمدينة لاركانا في باكستان ولقائه ذو الفقار علي بوتو قدم، رحمه الله، المال لبناء مستشفى بسعة 100 سرير لأهالي المدينة.

ولا تفوتنا صور العطاء في فلسطين واليمن والسودان والصومال وأفغانستان ومنغوليا وكوسوفا وتونس والمغرب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات