لم نشهد في حياتنا المعاصرة حدوث تغييرات مفاجئة تشبه ما يحدث الآن!.. فعلى مدار 42 يوماً مضت، سلك كل منا طريق «التغيير» دون أن يتوقع!..

تنوعت مسارات الطريق بعد أن طالت رياح التغيير أدق تفاصيل حياتنا، إلا أن التعليم كان له رأي آخر!.. إنه يمضي الآن في «المسار السريع من طريق التغيير»، قاصداً الوجهة التي يستحقها كل طفل لمستقبله وللحياة، حتى أنه أوشك على الوصول إليها!

لقد ذهبت قطاعات كثيرة إلى «استراحة قصيرة»، وأصبح كل منا يتطلع ويترقب وينتظر تلك اللحظة التي ستعود فيها الحياة إلى ما كانت عليه، وبين هذا وذاك، رأينا الكثيرين يكتشفون أنفسهم من جديد في فرصة استثنائية أظهرت لنا أفضل ما بداخلهم، وأجمل نسخة منهم، فقد رأينا طاقاتهم وقدراتهم ومواهبهم وإبداعاتهم، وبهم يمضي التعليم في المسار السريع من طريق المستقبل!

يمر مفهومنا حول التعليم هذه الأيام بتحولات استثنائية، فقد تحوّل التعلم الرسمي إلى تطبيق التعليم عن بعد، وأصبحت بيوت طلبتنا ومعلمينا والتربويين «مدارس» من نوع آخر، يخلو يومها الدراسي من صوت «الجرس»، وتبدّلت معها خطط الدروس وفواصل الاستراحات التقليدية، في وقت تم إلغاء الامتحانات الدولية!

يمضي الطلبة والمعلمون - في قلب هذه التحولات - في مسار التعليم دون توقف، فقد أوجدوا الطريقة المناسبة لكل منهم من أجل مواصلة التفاعل مع بعضهم البعض على الرغم من عدم تواجدهم في نفس الغرفة، وما يزالون يطوّرون معاً الطرق والأدوات لمواكبة المنهج التعليمي على الرغم من عدم تحديد الدرس وأوقات الراحة!

الجامعات أيضاً تمضي في طريقها، فقد أوجدت طريقتها لتخصيص أماكن للطلبة، بالرغم من عدم حصولهم على درجات الامتحانات النهائية، مثلما يطوّر أصحاب العمل طريقتهم لتوظيفهم.
لا يمكن لأي منا أن يتخيل مثل هذه التغييرات قبل 42 يوماً. اليوم، بإمكاننا أن نتأمل معاً الفرص المحتملة التي ستوفرها لنا هذه التغييرات!

لقد كان حديث الابتكار في التعليم قائماً منذ بضعة سنوات، تحدثنا عنه وسلكنا طريقه، وكانت مساراته حاضرة في المدارس والجامعات في جميع مناطق دبي، والتي بدأت فعلياً في صنع ممارسات مبتكرة على مدى السنوات الماضية.

من الجيد أن نبتكر عندما تكون الأمور على ما يرام، ومن الرائع أن نقوم بالمثل في الأوقات الحرجة!

اليوم، يُختبر «الابتكار» في مدينتنا. إنها الفرصة التي قد لا تتكرر مرة أخرى في حياتنا، وأمامنا كتربويين وكمجتمع فرصة الاختيار النادر بين اقتناص هذه الفرصة لقيادة مستقبل التعليم، وبين التخلي عنها وتركها والعودة إلى ما كانت عليه الأمور.

لقد خلص المتخصصون في علم السلوك إلى أن الأوقات الحرجة تشكل موعداً مثالياً لإحداث التغيير. هل كنت ترغب مثلاً في ممارسة الرياضة بانتظام؟!.. يقولون: افعل ذلك عندما تغير عملك. وهل كنت ترغب مثلاً في تناول طعام صحي؟ يخبروننا في علم السلوك: «حسناً، افعل ذلك مثلاً عندما تنتقل إلى منزل جديد».

لكن، هل ترغب في ترقية نماذج وبنائية التعليم في العصر الرقمي؟.. أقول لك: افعلها عندما تفاجئك الحياة بتحولات مفاجئة غير مسبوقة.

نعم، هناك تغييرات غير مسبوقة تحدث من حولنا هذه الأيام، ونعايشها مع الآباء والأمهات في دبي، والذين خاضوا - وما يزالون- تجربة التدريس لأطفالهم ومشاركتهم تعليمهم. لم يحدث ذلك من قبل، ورأينا رغبة بعضهم بالاستمرار في التواصل مع أطفالهم على هذا المستوى.

اليوم، ينظم المعلمون وقتهم لتغطية الاحتياجات الأكاديمية والعاطفية لطلبتهم، بدلاً من الانخراط في متطلبات الجداول الزمنية وإدارة الفصل الدراسي، كما يتمتع الطلبة الأكبر سناً بالاستقلالية وتحمل مسؤولية تعلمهم، ويمارسون مهارات المرونة والتعاطف والتضامن وحل المشكلات. بالإضافة إلى ذلك، يفكّر مشغلو المدارس اليوم أيضاً في تطوير نماذج أعمال جديدة تتسم بمرونة أكبر في تسجيل الطلبة، والذين سيتعلمون في المنزل بشكل جزئي أو كلي.

نمتلك في دبي سياسات واقعية للابتكار في التعليم، فقد أطلقنا قبل عامين مشروع «رحاّل» ضمن مبادرة دبي 10 x، والذي ينطلق من توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» لجميع الجهات الحكومية في دبي بأن تطبق اليوم ما ستطبقه مدن العالم الأخرى بعد عشر سنوات.

ويعكس «رحال» رؤيتنا لمستقبل التعليم في دبي، باعتباره منصة للمدارس ولأولياء الأمور لإزالة القيود وتحدي الحواجز في الهياكل والأنظمة التقليدية للتعليم.

اليوم، يستفيد الطلبة ممن يحلمون بأن يكونوا في يوم ما أبطالاً أولمبيين من منصة «رحال» لتلقي التدريب بدوام كامل، مع الحصول على دعم مدرستهم، وهناك طلبة آخرين يستفيدون من «رحال» لتقليص أسبوعهم الدراسي إلى ثلاثة أيام ونصف، مع منحهم حرية قضاء بقية أيام الأسبوع في متابعة شغفهم.

ويقدم مشروع «رحال» للمدارس وأولياء الأمور والطلاب عدداً غير محدود من الإمكانيات للقيام بالتعليم بشكل مختلف، ولقد ألقى الوضع الحالي الضوء على هذه الاحتمالات، والأمر الآن متروك للمدارس لتطويرها.
ننظر إلى المستقبل بثبات لأننا نقف على أسس صلبة للحاضر، قوامها شغف والتزام المعلمين الذين يتفانون اليوم في عملهم للتأكد من استمرار تعلم أطفالنا دون انقطاع.
إذا كانت هناك تحية تقدير وامتنان نرفعها جميعاً للعاملين في مجال الرعاية الصحية، فإننا نبعث في الوقت ذاته بتحية تقدير وامتنان إلى كل معلم ومدير مدرسة يسهم الآن في إثراء تجربة التعليم عن بعد لأولياء الأمور والطلبة.

ستعود الحياة إلى طبيعتها مجدداً في يوم ما، وسترحب بكم المدارس والجامعات في دبي من جديد، وسنلتقي مجدداً.. ونجتمع معاً بعد أن نكون قد وصلنا إلى حيث المستقبل.
أترك لك الآن حرية اختيار الطريقة التي يمكنك أن تسهم بها في تشكيل المستقبل الذي حضر.
ودائماً، كلنا صف واحد من أجل المستقبل والحياة!