«كورونا» وأفضل ما فينا

يستحق الأمر الخوف والحذر، لكن ليس الهلع والجزع. وبينما نطالع عدادات الإصابات، ونواكب إجراءات الحظر والحجر والعزل، ونتابع خطوات الإغلاق والتعطيل لتطويق الانتشار، نطالع كذلك مبادرات الأفراد والمؤسسات، ونواكب تطورات وقدرات الجميع للعيش والتعايش مع الوضع الراهن، ونتابع إبداعات وابتكارات مولودة من رحم الخوف والمعاناة.

معاناة الكوكب الحالية جراء فيروس «كورونا المستجد» أو «كوفيد – 2019» جديرة بالتأمل بينما نحن قابعون في بيوتنا، ملتزمون قواعد العزل الفردي الاختياري. كل تفصيلة كبيرة وصغيرة مما يجري حولنا تستحق التأمل.

الحكومات التي كان البعض حتى الأمس القريب يصر على التشكيك في كل خطوة تخطوها، أو إجراء تتخذه أو لا تتخذه، تحظى اليوم باحترام وتأييد حتى من قبل معارضيها.

في مصر على سبيل المثال، تتعالى الأصوات المؤيدة للإجراءات التي يتم اتخاذها من قبل الحكومة المصرية لمواجهة الفيروس ومحاولات تطويقه.

فمن خطوات مبكرة في بداية الأزمة لتخصيص مستشفيات للعزل، إلى قرار تعطيل الدراسة، إلى منع تنقلات العاملين في قطاع السياحة في عدد من المدن السياحية، إلى عزل نحو 300 أسرة في إحدى قرى الدقهلية منعاً لانتشار الفيروس، إلى تخفيض عدد العاملين والموظفين في جهات رسمية باستثناء القطاعات الخدمية، إلى توسيع قاعدة التعامل عبر الإنترنت في قطاع المصارف وتأجيل أمد سداد القروض وغيرها أدى إلى حالة من الرضا العام تجاه الإجراءات. واللافت أن هذا الرضا يعبر عنه كثيرون من أصحاب الأصوات المعروفة بانتقادها الدائم للأداء الرسمي.

رسمياً وشعبياً، تحظى الإمارات بشهادة حسن أداء وحكمة تعامل مع الوضع الراهن: إجراءات صارمة في المنافذ الحدودية وتكثيف إجراءات الكشف الحراري بدقة شديدة، تطبيق إجراءات الحجر والعزل طبقاً لقواعد علمية وصحية، تشبيك الاتصال بين الجهات الصحية المختلفة على مدار الساعة، تقديم عطلة الربيع للمدارس ومؤسسات التعليم بأنواعها، تطبيق نظام التعليم والعمل عن بعد، إعادة الطلبة الإماراتيين الدارسين في الخارج، إغلاق المراكز الثقافية وتعطيل الفعاليات الفنية والرياضية، تعليق الصلاة في دور العبادة وكذلك الأفراح في الأماكن العامة وغيرها من الإجراءات التي يتم مراجعتها أولاً بأول في ضوء المستجدات.

والحقيقة أن ما أقبلت عليه الإمارات قبل أيام من إرسال مساعدات تحمل إمدادات طبية وإغاثية بالإضافة إلى خبراء من منظمة الصحة العالمية إلى إيران لمساندتها في مواجهة الفيروس سيكتبه التاريخ في صفحة الإنسانية والتكافل في زمن عز فيه كلاهما.

كل ما يجري حولنا يستحق التأمل والتدبر لتعديل الدفة وتصحيح المسار بعد انتهاء الأزمة إن شاء الله. تجربة التعليم عن بعد تستوجب من الأمم التي لم تنظر إليها بعين الاعتبار أن تفعل ذلك.

الواقع يشير إلى أن الدول التي شيدت بنى تحتية تخدم هذه التقنية بالإضافة إلى المدارس في الدول التي لم تفعل ذلك حققت انتظاماً مشهوداً له في العملية التعليمية عن بعد، وذلك بعد أيام قليلة من تعطيل الدراسة.

تجربة العمل من البيت هي الأخرى تستدعي الاهتمام المصحوب بخطوات فعلية عقب انتهاء الأزمة.

الأعمال القابلة للإنجاز عن بعد يمكن إبقاؤها كذلك، ولو لعدد محدد من أيام الأسبوع. توفير الوقود، ومصروفات الانتقال، وكلفة الأعمال من المكاتب، وتوتر الأعصاب الناجم عن الازدحام، والتدريب على تنظيم الوقت، وغيرها فوائد مضافة شرط توفير البنية التحتية التكنولوجية والتدريب وحسن التخطيط.

ولو كان الفيروس مخططاً لما تمت توعية مليارات البشر حول العالم بقواعد النظافة والصحة، كما حدث مع هجمته الفجائية.

حملات التوعية التي جرت في دول عدة حول العالم أسفرت نتائج آنية بالغة الإيجابية. جموع المواطنين – باختلاف فئاتهم التعليمية والمادية – باتوا أكثر وعياً وحرصاً بقواعد النظافة الشخصية والعامة.

وعلى مستويات شخصية وعامة، تتواتر مبادرات فردية تنتشر انتشاراً أقل ما يمكن أن يوصف به هو «الانتشار المليوني».

«لو كنت خارج البلاد وأهلك يعيشون وحدهم هنا، أنا مستعد لشراء لوازمهم والسؤال عنهم يومياً» «إلى كل من تعدى سن ال60 أو يعاني أمراضاً ويحتاج مساعدة ممن يعيشون في شارع أو منطقة كذا، نحن مجموعة من الشباب من الجنسين مستعدون للمساعدة دون ما قبل، مع العلم إننا نتبع الإجراءات الصحية اللازمة للحماية» وغيرهما الكثير من الرسائل العنكبوتية التي تنتشر بشكل غير مسبوق مصحوبة بأرقام هواتف دليلاً على الجدية.

جدية أزمة «كورونا» أعادت اكتشاف أفضل ما فينا ولدينا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات