من قال إن الأمومة صفة أنثوية؟

في مسرحية «دائرة الطباشير القوقازية»، التي تعد واحدة من المسرحيات التي باتت جزءاً خالداً من تراث المسرح العالمي للمؤلف الألماني برتولد بريخت، يلقي الراوي في نهايتها حكمة النص ورسالته: أنتم يا من سمعتم قصة دائرة الطباشير، احفظوا حكمة الأقدمين: إن الأشياء ينبغي أن تعطي للذين يقومون عليها خير قيام، فالأطفال للأمهات اللواتي يرعينهم حتى يشبوا ويترعرعوا، والعربات لمن يقودها جيداً والحقول للذين يحسنون ريها وزرعها.

وتحكي المسرحية قصة حاكم وزوجته الملكة، اللذين تعزلهما ثورة شعبية عن سدة الحكم، فتهرب الملكة مذعورة تاركة طفلها الرضيع خلفها دون أن تفكر في مصيره، فتجده الخادمة، وتأخذه لتربيه وتحميه وترعاه لسنوات عدة تتغير فيها الظروف، فتعود بعدها الملكة وزوجها إلى تسلم الحكم من جديد، وتطالب باسترداد الطفل، لكن الخادمة ترفض ذلك.

وحين يتم رفع الأمر إلى القاضي لكي يحكم أيهما أحق بالطفل الملكة أم الخادمة، فإن القاضي يأمر برسم دائرة بالطباشير، ويضع الطفل في منتصفها، ويطلب من المرأتين أن تجذبه كل منهما إليها خارج الدائرة، فتنجح الملكة في جذبه خارجها بسرعة وبقوة شديدة وعنف، بينما تعزف الخادمة عن فعل ذلك، خوفاً من أن تؤذي الطفل وتؤلمه، فيحكم القاضي بأن يؤول الطفل إلى الخادمة التي بدت أكثر حناناً ورقة وعطفاً على الطفل من أمه الحقيقية، التي لم تأبه بألم الطفل بجذب يده بعنف، لكي تؤكد ملكيتها للطفل وليس محبتها له، كما بدت الخادمة.

وكما أن الأم ليست هي من تلد فقط، بل هي من ترعى وتصون وتحنو وترشد وتضحي، حتى لو لم تلد، فإن سوزان طه حسين، كانت أكثر من زوجة محبة، كانت أماً بكل معاني الكلمة للدكتور طه حسين.

امرأة أوروبية مثقفة وغير مسلمة ترهن حياتها لأزهري مسلم وكفيف وفقير، ولا تأبه بمعارضة أسرتها، وتتألم ألمَ من يجد نفسه بين حبين متعارضين، فتتحمل، وتلزم نفسها بنمط من الحياة لا يخلو من مشقة، وتثقف نفسها بألوان من المعارف في الفن والموسيقى والأدب، كي تساعد طه حسين على امتداد نحو 56 عاماً من حياتهما المشتركة، على التفاعل مع الحياة تماماً كالمبصرين، وتيسر له أجواء ولعه الدائم بالقراءة والكتابة وسماع الموسيقى، وما يعشقه من أصوات مقرئي القرآن الكريم.

وبمساعدتها، تعلم طه حسين أن يميز بين المدن، التي يزورها بسماع خرير المياه وزقزقة الطيور، وشم نسيم الزهور، فتصبح هي عينه التي ترى، حين تروي وتشرح وتفسر وتعلق وتناقش.

وفي لحظات اليأس والحصار وقلة الموارد، وملاحقة معاول الظلامين، تصبر وتشجع وتصمت، بل تظهر قدرة فائقة على تطويع الظروف السيئة والتأقلم مع قسوتها حتى تنقشع الغيوم، أو ليست تلك العلاقة أبعد من مشاعر حب المرأة للرجل، إنها الأمومة في أرقى صورها، وأكثرها نبلاً وتجرداً.

وفي عالم الحيوان، رأيت ذكوراً تحوط على صغارها خوفاً عليهم من برد أو من قيظ، أو من فظاظة وقسوة البشر، وتمشط بألسنتها أجسادهم الهزيلة، وتطعمهم مما تأكل، قبل أن تتفرغ لإطعام نفسها.

من بين الأفكار التي باتت منتهية الصلاحية، وتحتاج إلى إعادة نظر، أن تقتصر صفة الأمومة على المرأة التي تلد، وعلى الأنثى دون الذكر، فالحياة تعج بالأمثلة على رجال لعبوا في حياة أسرهم أدوار الأمهات بجدارة وكفاءة وبمحبة غامرة.

وقد عشت هذه التجربة حين ماتت أمي وأنا لم أتجاوز الثامنة من عمري، فغدا أبي المعلم الإلزامي والشاعر، هو أمي وأبي في آن، وأصبحت أنا وأخوتي الثمانية، عالمه الذي لا عالم سواه، بعدما بات أرملاً في الخامسة والأربعين، وصارت الثقافة رفيق وحدته، والحياة، عطاء غير مشروط لأبنائه.

تحمل أبي بصبر وشموخ وكبرياء قسوة شظف العيش، ولم تغادر روحه أبداً الثقة بأن عدل السماء سوف يأتي له بما يعوضه عن شقاء العمر. وحين كبر الأبناء، وكادت أن تلوح في الأفق الفرصة لتحقيق ذلك، مات أبي، ولم يكن قد تجاوز الستين إلا قليلاً.

الأمومة كالرجولة صفة تنطبق على الإناث والذكور باعتبارها قيمة من قيم الحياة العليا، وفي يوم عيد الأم، سوف أضع باقة ورد على قبر أبي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات