مصل الثقة في الحكومات

ألف باء التعامل مع وباء عالمي كـ«كورونا»، وعنصر رئيسي في تضييق الخناق على انتشار الفيروس، والمضي قدماً في الحياة اليومية بأقل خسائر وعراقيل ممكنة يكمن في الثقة بين المواطنين والحكومات.

وكلما زادت أواصر الثقة بين الطرفين في أي دولة، وتعمقت جذور المسؤولية القائمة على المصلحة العامة، كلما كانت مجابهة الطوارئ والكوارث والمصائب أفضل وأسرع وأوثق. ومتابعة الوباء المعلوماتي المنافس والمناطح والمصارع للوباء الفيروسي أمر جدير بالبحث، وملف يستحق أن يكون على رأس أولويات المهتمين بالبحوث الاجتماعية والسوسيو سياسية ما إن يفرغ الكوكب من أزمة الوباء الحالي.

حالياً، لا يواجه شعوب الأرض خطر فيروس «كورونا المستجد» أو «كوفيد -2019» وحده، لكنها تواجه خطر محتوى الشبكة العنكبوتية المستجد أو «الإنفوباندميك» المستبد. شعوب الأرض المتصلة بشبكة الإنترنت، أو تلك التي تعرف أحداً من معارفها أو أقاربها متصلاً بالشبكة،واقعة تحت مخاطر انتشار فيروسية حادة غير معلومة النمط وغير متوقعة العواقب.

عاقبة الإصابة بالفيروس الحالي معروفة بشكل أو بآخر. فالغالبية تنجو منه بعد فترة مرضية أعراضها الحمى وصعوبة التنفس وسعال. لكن 3.4 في المئة من الإصابات (وهي نسبة قابلة للتغير زيادة أو نقصاناً) يمكن أن تؤدي إلى الوفاة. ويعتقد العلماء والباحثون أن هناك عدة عوامل تؤثر في ذلك، منها الفئة العمرية والجنس والحالة الصحية العامة والنظام الصحي المتبع في كل دولة. الأمر إذن برمته مازال يخضع للاكتشاف والاستكشاف والبحث والتقصي واستخلاص النتائج، وهو ما يجعل الوصول إلى تصور شامل وتخطيط محكم لكيفية المواجهة والمحاصرة أمراً مستحيلاً. لكن ما يجري من قبل منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع حكومات العالم ومراكزه ومؤسساته الصحية والطبية، هو متابعة الوضع والتعامل مع التطورات أولاً بأول مع اتباع خطط التعامل مع الطوارئ والكوارث الموضوعة مسبقاً ولكن بتصرف بحسب الجائحة.

لكن تظل جائحة الوباء المعلوماتي، الآخذ في التطور والتغير هو الآخر، وكأنه في سباق مع «كورونا» أيهما يفتك بنا أسرع!! سرعة تواتر المحتوى العنكبوتي الذي يغذيه على مدار الساعة نحو 4.5 مليارات شخص، بواقع نحو 57 في المئة من سكان المعمورة تصيب الجميع بقدر لا يستهان به من الهلع والجزع والارتباك والاضطراب، وبعضها يصل إلى حد مرضي يعيق صاحبه عن اتخاذ القرارات بطريقة صائبة، أو حتى المضي قدماً في حياته بشكل معقول.

معقولية المحتوى «المعلوماتي» العنكبوتي أو عدم معقوليته أمر لا يمكن التحقق منه. وإذا كان العالم قد عانى من مغبة الأخبار المفبركة والمعلومات المغلوطة والحسابات الوهمية والتضليلات المعلوماتية التي طالت أعتى الدول وأقواها مثل أمريكا وبريطانيا وغيرهما على أصعدة سياسية واقتصادية، فإن ما يعانيه العالم هذه الآونة من «إنفوباندميك» من النوع المعتبر حالياً أمر بالغ الصعوبة والقسوة.

قسوة القلق الإنساني الطبيعي من تفشي فيروس غير معلوم الهوية وغير محدد الأثر بشكل قاطع بعد، لا تضاهيها في الوطأة سوى قسوة ما نفعله ببعضنا البعض من نشر و«لايك» و«شير» وإعادة بث شفهي لما يرد على الشبكة العنكبوتية دون تحقق كاف أو تيقن معقول. ويبدو أن الاستمرار في التشبث بالشاشات والإغراق في عدد الساعات التي نتابع خلالها ما ينشره الأهل والأصدقاء والمعارف وأولئك الموجودين على قوائم الأصدقاء دون أن نعرفهم من شأنه أن يصيبنا بأمراض ربما تكون أشد فتكاً من «كورونا» نفسه. نفس ما يحدث الآن حدث من قبل في أزمات هلع سابقة منها على سبيل المثال لا الحصر «أنفلونزا الخنازير» و«الطيور» وموجات مختلفة من «إيبولا» و«زيكا» و«الجديري» و«الحصبة» وغيرها كثير. لكن زيادة عدد مستخدمي الإنترنت والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي لم يكن على ما هو عليه الآن، وهو ما ضاعف من حجم المحتوى «شبه المعلوماتي» والذعر الناجم عن تضارب المعلومات حيناً وإفتاء الكثيرين فيما لا يفقهون فيه كثيراً.

خلاصة القول إن حائط الصد يكمن في الثقة بين المواطنين وحكوماتهم. وكلما زادت، قل الهلع وانكمش أثر الاستخدام غير المسؤول لأثير العنكبوت. دول الكوكب جميعها تضررت من الوباء المعلوماتي، لكن الضرر درجات وفئات. وموروث الثقة قادر على الوقاية حتى لو كان المصل في طور التحضير، إذ يبقى مصل الثقة خير من علاج الوباء المعلوماتي.

* كاتبة صحفية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات