تغيّر المناخ أزمة صحة عامة

فلنواجه الأمر، إننا نعلم أن صحتنا لا تتعلق كثيراً بما يقوم الأطباء في العيادات والمستشفيات، بل تحددها ظروف حياتنا اليومية.

أكثر من 60 بالمئة من تعافينا صحياً يقرره أسلوب حياتنا ومكان عيشنا وعملنا ولعبنا وعمرنا. إن الهواء الذي نتنفس والطعام الذي نتناول والماء الذي نشرب والمنازل التي تأوينا والحب والرعاية اللذين يمدنا بهما العائلة والأصدقاء، كلها أمور تحدد مدى صحتنا.

لقد حان الوقت لوضع النقاط على الحروف واستبيان الصورة، فتغيّر المناخ بتداعياته مطّردة التدمير لأعمدة الصحة الأساسية، يشكل الأزمة الصحية العامة الأضخم التي واجهتنا يوماً. تغير المناخ أكثر مما يحدث للكوكب وحسب، إنه ما يحدث للناس على هذا الكوكب.

لقد أعلن الباحثون الحكوميون مؤخراً، بأن سنوات العقد الأخير سجلّت مستويات حرارة قياسية. بالإضافة لارتفاع أعداد الوفيات والمعاناة البشرية جراء موجات الحرّ والجفاف العنيفة والطويلة، فإننا نشهد عاماً بعد عام مواسم حرائق أطول مدةً وأعنف وتيرةً.

وقد كشفت صور التقطتها الأقمار الصناعية لوكالة الفضاء الأمريكية، «ناسا» في وقت سابق من هذا الشهر غمامةً تلف حوالي 70 بالمئة من الكوكب ناجمةً عن هول حرائق الغابات المنتشرة على امتداد الكرة الأرضية حتى يومنا هذا: عشرات الأشخاص وأكثر من مليار حيوان اختفى منذ اندلاع الحرائق في أستراليا في سبتمبر الماضي. وإننا نتنفس الدخان هنا في أوريغون.

كما أن الحرائق لم تغب عن الساحة الأمريكية أيضاً، حيث سجل في موسم حرائق الغابات لعام 2017 عدد الزيارات لقسم الطوارئ في أوريغون ارتفاعاً بلغ 20 بالمئة فوق معدل العدد الطبيعي للزيارات في الولاية. وقدّر مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية أن دخان الحرائق التي اجتاحت أوريغون عام 2012 أسفرت عما يزيد على ملياري دولار من التي أنفقت على الرعاية الصحية، وذلك بناءً على دراسة للتكاليف الناجمة عن الأحداث المتعلقة بالمناخ في البلاد.

وشهد الأطباء في منطقة بورتلاند الآثار المدمرة لحرائق «إيغل كريك» عام 2017 حين تدفق الأطفال والمرضى الأكبر سناً ممن يعانون من الربو أو أمراض رئوية مزمنة عبر أبواب الطوارئ.

وتشكل الحرائق مشتعلة واحدةً من عدد من المخاوف الكثيرة التي نشهد على حدوثها في كل أصقاع الكوكب. وفي خضم الأوضاع المتطرفة لدرجات الحرارة وانتشار الجفاف، فإن محاصيل الحبوب قد تراجعت بنسبة 10 بالمئة، الأمر الذي فاقم حالة سوء التغذية والمجاعة في العالم، حيث تهدد الفيضانات في بعض المناطق منه مخزون المياه بفعل تلويث المواشي وأنظمة الصرف الصحي لمياه الشرب.

ويقف خلف تلك الإحصائيات والأحداث المرتبطة بالمناخ أفراد ليس إلا.

من بين الأشخاص الذين يدفعون الثمن امرأة في منتصف الأربعينيات انتقلت بعد أن خسرت منزلها بسبب إعصار قبل ثماني سنوات إلى إقليم الشمال الغربي الهادئ لتعود وتخسره مجدداً بعد بضع سنوات جراء فيضان مرفق بعاصفة هوجاء.

وكانت النتيجة زواجاً متعثراً وأفكاراً انتحارية نتيجة الاكتئاب فزيارات إلى عيادات الأطباء النفسيين. وليس قصة تلك المرأة سوى واحدة من ملايين قصص الناس الذين خسروا حياتهم وصحتهم وأموالهم.

والمؤسف أن الثمن الحقيقي لتغير المناخ نادراً ما يحتسب حين يتعلق الأمر بالصحة. وتقدر دراسة حديثة لمجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية أن الأحداث اللصيقة بتغير المناخ في العام 2012 فقط أسفرت عن أكثر من 20 ألف حالة دخول للمستشفى، و18 ألف زيارة إلى الطوارئ و1000 حالة وفاة.

وهناك العديد من الأمور التي يتوجب إصلاحها في قطاع الرعاية الصحية، إلا أنه لا يمكن أن نتوقع بأن يتحمل نظام الرعاية الصحية لدينا وحيداً عبء المآسي الناجمة عن تغير المناخ أو غياب الدعم الاجتماعي والبيئي الكافي. وتوجد في أوريغون كما في أمريكا العديد من الانقسامات بخصوص عدد من القضايا، إلا أن مسألتي الصحة والرفاه توحّدنا جميعاً.

سيشعر كل منا، إذا لم يسبق له أن فعل، بتأثير تغير المناخ على وضعنا الصحي، وأسرنا وأعمالنا ومجتمعاتنا.

يمكن لكل شخص أن يصنع الفرق، لدينا فرصة بأن تقود هذه الدورة التشريعية التغيير عبر الأمة، وليس لدينا الوقت لإضاعته، إننا كأبناء أوريغون من مالكي شركات وناخبين ومحامين وأطباء ندعو إلى أخذ الوقت الكافي للتواصل مع طاقم المشرعين لدينا حيال الخطوات الواجب اتخاذها لإحداث الفارق الصحي لما فيه خير عائلاتنا وأصدقائنا ومجتمعاتنا عبر التعامل مع آثار تغير المناخ.

* رئيس مؤسسة «نورثوست بيرمانينتي»

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات