مستقبل حزب ميركل في دائرة الشك

حتى وقت قريب، كان بودو راميلو يتولى منصب رئيس وزراء ولاية ثورينغيا الألمانية الشرقية، حيث حكم حزبه اليساري «دي لينكه» في تحالف مع حزب الخضر والاشتراكيين الديمقراطيين على مدار السنوات الست الماضية، مبقياً كلاً من حزب ميركل «الحزب الديمقراطي المسيحي»، وأحزاب اليمين المتطرف بعيداً.

وفي أكتوبر، فاز «دي لينكه» في الانتخابات البرلمانية، بأصوات أكثر من أي حزب آخر، 31%، وذلك للمرة الأولى على مستوى الولاية، لكن شركاءه في التحالف تكبدوا خسائر.

إن إطاحة راميلو هذا الشهر من قبل الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الحر (الليبراليين)، اللذين تعاونا مع حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، كان مثيراً للحنق تحديداً. بفارق صوت واحد، أطاحوا رئيس وزراء ثورينيغيا ووضعوا مكانه الليبرالي غير المعروف، توماس كيمريتش، الذي حصل حزبه على خمسة مقاعد فقط في برلمان ثورينغيا.

التنسيق بين المحافظين وحزب البديل من أجل ألمانيا اخترق الطوق الصحي، الذي منع أحزاب التيار السائد من العمل مع اليمين المتطرف. ولم يسعف هؤلاء واقع أن حزب البديل من أجل ألمانيا موطن الشخص الأكثر مجاهرة ضمن القوميين البيض في السياسة الألمانية، أو أن تلك المكائد تبعها إطلاق نار من قبل متعصب يميني.

عندما تولى راميلو منصبه لأول مرة في عام 2014، كانت هناك احتجاجات في شوارع عاصمة ثورينغيا ضد «الستالينية»، لكن في السنوات التالية، ازداد الدعم له.

كان يملك أوراق اعتماد نقابية قوية، وكان بارعاً في إقامة التحالفات. العمود الفقري لجداره الناري المناهض للفاشية كان الناخبون الشيوعيون في حزب «الوحدة الاشتراكية في شرق ألمانيا»، لكنه وسع جاذبيته إلى أبعد من ذلك بكثير. تقدم بسياسات شعبية: توسيع الرعاية للأطفال بتمويل من الدولة، توظيف المزيد من الأساتذة، وتوفير المزيد من الدعم للطلاب، وقد وظف المزيد من رجال الشرطة، لكنه ألغى الفروع المحلية لأجهزة المخابرات الألمانية المعروفة بتعاطفها مع اليمين.

كانت مؤامرة إقالته في ثورينيغا محرجة لميركل، ظهرت بمظهر من فقد السيطرة مؤقتاً على الفرع المحلي في حزبها، وقد استقالت انغريت كرامب كارينباور، البديلة المعينة مكانها على الفور في أعقاب تلك الفوضى.

ميركل ورئيس الحزب الديمقراطي الحر، كريستيان ليندنر، سوف ينجحان في عكس نتائج الانتخابات، وتأديب الأعضاء المارقين في الحزبين، لكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام كانت الرسالة التي أراد الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ثورينغيا إرسالها إلى برلين.

بعد تحويل ميركل مركز السياسة الألمانية إلى يسار ما كان عليه الاتحاد الديمقراطي المسيحي، استوعبت بالتدريج عناصر من البرامج الخاصة بأحزاب شركائها في التحالف. بات الحزب الاشتراكي الديمقراطي لا يمكن تميزه عن حزب ميركل تقريباً.

وفي بحثها عن شريك جديد، بدا أنها اختارت حزب الخضر، كونه مرشحاً ملائماً لتحالف الحزب الديمقراطي المسيحي، وقد أعدت حزبها جيداً لهذا الانحياز، وتبنت جزءاً من الأجندة البيئية لحزب الخضر. ضاعف الوسط السياسي في ألمانيا التزامه بالنزعة الليبرالية المتشددة، لكن ميركل كانت تعمل بهدوء على تجميع ما يرقى إلى حزب جديد. حزبها هذا لا يشبه الحزب الديمقراطي المسيحي لأسلافها.

بعض منتقدي ميركل الأشداء داخل حزبها، مثل وولفغانغ شوبليه وفريدرش ميرتس، يريدان إعادته إلى مبادئه المحافظة السابقة، لكن إذا فاز في الصراع على السلطة واحد من خصومها من بعدها، مثل ميرتس، فإن جاذبية الحزب الواسعة ومرونته سوف تتقلصان بشكل كبير.

المعركة على مستقبل الحزب هي بين محافظين اجتماعيين يركزون على الاقتصاد المحلي، ممن سئموا تقديم تنازلات مع اليسار ويريدون الارتداد مثل ميرتس، وبين موالين لميركل مع مدن ألمانيا الكبرى وأسواق التصدير العملاقة في منظورهم، ممن يريدون الحفاظ على الوضع الراهن الذي يعمل جيداً.

بالنسبة إلى اليسار في ألمانيا، فإن الخلف المفضل لميركل قد يكون ميرتس، الذي من شأن مبادئه المتشددة أن تقلص من الإمكانات الانتخابية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وتمهد الطريق لتحالف أحمر- أخضر. في هامبورغ، عاد التحالف أحمر- أخضر أخيراً إلى السلطة بنحو 58% من الأصوات.

وفي برلين، تقدم أيضاً التحالف أحمر – أخضر. هاتان المدينتان قد لا تشكلان مدناً تمثيلية للواقع السياسي، لكن ثورنيغيا لا تفعل ذلك أيضاً، فراميلو أصبح أكثر شعبية منذ أكتوبر 2019، فيما تراجع الدعم للحزب الديمقراطي المسيحي من 19% إلى 14% منذ طرده، مع «دي لينكه» عند نسبة 40%.

وعلى عكس حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، فإن «دي لينكه» قد يكون له مستقبل كونه حزباً وطنياً منافساً، وخصوم اليمين لميركل الذين يأملون أن يرثوا الوسط ربما هم داخل عملية لا واعية لإحياء راميلو.

* مؤرخ وكاتب

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات