صاحب القرار في ليبيا

قد لا أتمكّن يوم الخميس المقبل، 27 فبراير الجاري، من تلبية الدعوة المرسلة لي من معھد العالم العربي في باريس لحضور ندوة تناقش «من صاحب القرار في ليبيا؟» ويدير النقاش بيير هاسكي من «فرانس أنتر»، رئيس منظمة «مراسلون بلا حدود» ويشارك فيه جلال هرشاوي وباتريك هايمزاده وديديه مليار، وكنت أود الحضور، لمتابعة بحث طويل بدأت فيه منذ اندلاع الحرب في ليبيا العام 2011 وسقوط نظام القذافي.

البحث، لا يتعلق بليبيا فقط، وليس حول سوريا أيضاً، بل يتعلق بمحورين أساسيين هما التحول الخطير في المنطقة منذ تولي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئاسة التركية في العام 2014، وتحول قيادات وأفراد الثورتين السورية والليبية من مواطنين محتجين معتدلين على سياسات داخلية إلى ميليشيات إرهابية دموية، والمحور الثاني حول «كيف يقرأ الغرب، قيادة وإعلاماً وشعوباً هذا التحوّل الدراماتيكي الخطير؟» وهل يرون الجانب الموضوعي الحقيقي للدور الأردوغاني المنحرف أم توجّه آراءهم المصالح والعلاقات مع تركيا وليبيا وسوريا، كما تفعل روسيا وأمريكا على الأقل؟

النقاش في الندوة سيدور حول الجهات الفاعلة الدولية أو غير الدولية التي تشارك في الصراع في ليبيا ومدى التزامها بالمعاهدات وخاصة الصخيرات وقمة برلين، وقد يناقش أيضا أسباب مأزق الأمم المتحدة بشأن حل النزاع هناك، وفشلها في تطوير مبادرات السلام مما فاقم الصراعات بتدويل النزاع الليبي الذي بات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

كنت أود حضور الندوة لأتحدث في موضوع «أصل المشكلة» وكيف أن ليبيا، التي تشبه سوريا، ليس لديها مشكلة بحجم مشكلة التدخل التركي السافر، والسيطرة على الحكومة الإخوانية هناك.

كنت أريد توجيه المحاضرين والحضور إلى أيهما أكثر خطورة، بالنسبة لنا كعرب: الاحتلال التركي لسوريا أم الغزو العثماني لليبيا؟ أم أن الخطورة الحقيقية تكمن فقط في «مخ أردوغان الإخواني» الذي يسيطر على هذه الدولة التي تحولت، في بضع سنين، إلى دولة إرهابية؟!

بالطبع، وبالنظر إلى الخلفيات الثقافية للمتحدثين، الذين يجلسون على منصات عاجية، لم تشتم رائحة الدم الذي يريقه أردوغان في سوريا وليبيا، ويعتقدون أنهم خبراء في فك تشفير النزاعات، لا يعرفون إلا قليلاً من الأجوبة، بسبب تجاهلهم، بشكل أو بآخر، للحقائق على أرض الواقع، وعلى رأسها أن من يحكم طرابلس وإدلب الآن، هم ميليشيات إرهابية وجماعات جهادية مسلحة مدعومة بشكل كامل من النظام التركي.

الجواب، من وجهة نظري، وبعيداً عمّا تجدّفه تلك الندوات والمحاضرات والنقاشات العاجية، هو أن الغزو العثماني لليبيا أكثر خطورة من الاحتلال العسكري التركي لسوريا، ففي سوريا، يحظى الجيش العربي السوري، على الأقل، بأجندة وطنية عربية، هدفها طرد الجماعات الإرهابية وإعادة الأمن والاستقرار ووحدة الأراضي السورية، ولا نخفي أن الجيش السوري مدعوم لوجستياً من روسيا، التي تراقب فقط تنفيذ اتفاق سوتشي الذي أخلّ به أردوغان، خاصة بالفصل بين المعتدلين والمتشددين المسلحين، أما في ليبيا فيواجه الجيش الوطني الليبي، حكومة إخوانية فاسدة، تحميها العصابات والميليشيات الإرهابية المدعومة لوجستياً وعسكرياً وبشرياً من أنقرة مباشرة.

هل علينا أن نتجنب الأسوأ من أردوغان ومن مقصلة الاحتلال العثماني التاريخية منذ مذبحة حي تاجوراء في طرابلس العام 1836 التي ذبح فيها العثمانيون، في يوم واحد، 500 ألف شاب ليبي؟ وجهة نظري، أن الاحتواء وتجنب الأسوأ لن يجد مع أردوغان، فقد أسرف في احتضان الإرهاب في ليبيا وسوريا، لدرجة أنه قد أصبح غير قادر على التراجع، لذا لابد من الوقوف في المنابر الدولية لوقف حملات تسويق الخلافة الإخوانية وإعادة توجيه الرأي العام العالمي، نحو الحقائق، بعيداً عن المصالح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات