العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تفاحهم.. وتفاحنا

    لطالما أخذت التفاحة معانيَ أكثر عمقاً من كونها مجرّد ثمرة شهيّة تحمل فوائد صحّية كبيرة، وتتمتع بمذاق لذيذ، فقد تحوّلت إلى رمز ارتبط بالمعرفة الأولى التي تمتّع بها أوّل إنسان خلقه الله سبحانه، فثمرة الخلود التي وصفها القرآن الكريم، شاع لدى أتباع الديانات الأخرى أنّها ثمرة المعرفة، التي فتحت عقل آدم «عليه السلام» ليدرك الصواب والخطأ، ويميّز بين الخير والشرّ، فعوقب لأنّه خالف أمر الخالق بتناول الثمرة، وأُنزِل إلى الأرض، حيث نشأ الجنس البشري وعمّر هذا الكوكب.

    وفي الميثولوجيا الإغريقية كان لتفّاحة أفروديت الذهبية بعض الدور في اندلاع حرب طروادة..

    ومن غريب المصادفات أن تكون ثمرة المعرفة التي فتحت عقل آدم، هي الثمرة ذاتها التي فتحت عقل العالم الفيزيائي إسحق نيوتن ذات يوم أثناء قيلولته تحت شجرة، فقد سقطت تفاحة على رأسه لتخبره أنّ ثمّة شيئاً يجعل الأجسام تسقط إلى الأرض، وهو الجاذبية.

    وفي الواقع، ليست التفاحة بحدّ ذاتها هي ما يهمّنا هنا، وإنّما ما ترمز إليه من نضج للعقل وتفتّح لآفاق المعرفة، توّجت برمز جديد اجتاح العالم في العقود القليلة الماضية، لتصبح التفاحة المقضومة شعاراً لواحدة من أهمّ وأكبر شركات الإلكترونيات في العالم، بل لتصبح التفاحة اسماً لهذه الشركة، والمقصود بالطبع شركة (Apple)، الشركة التي توظّف 137 ألف موظف في فروعها التي يقارب عددها 500 متجر حول العالم، حيث تقدّم خدمات البرمجيات والمنتجات الإلكترونية الرائدة بمختلف أنواعها، وهي أول شركة عامة في العالم تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار أمريكي.

    إذاً، منذ الأزل، وجد كلّ عصر تفّاحته، واتخذت الأمم رموزها للمعرفة، من قناديلَ وشموعٍ وأجنحةٍ ووجوهِ حيواناتٍ وُجِدت منقوشةً على الرُّقُم المسمارية وجدران الأهرامات والمعابد على امتداد العالم القديم والحديث..

    ثمّ تأتي التفاحة لتغزو عالم المعرفة بلا منافس، فهي رمز ذو تاريخ عريق، ارتبط بالأنبياء وأبطال الأساطير والعلماء، فكيف استفاد العرب من هذا الرمز العظيم؟

    لقد تفوقنا على الآخرين الذين لديهم تفاحة واحدة، فنحن لدينا تفاحتان متلازمتان كرمز يميّزه الناظرون من مسافات بعيدة، ليس لقوّة نظرهم، ولا لكبر حجم الرمز، وإنّما لقوّة رائحة هذا الرمز!

    فتفاحنا ذو رائحة نفّاذة، لأنه مخصص للنرجيلة!.. نعم وبكل أسف، في وقت يبحث فيه العالم عن المعرفة ويستلهم من رموزها التاريخية، أبدع العرب في تحويل رمز المعرفة إلى ماركة (معسّل) للنرجيلة!

    وأصبحت التفاحة رمزاً للكسل وارتياد المقاهي وجلسات السمر والأحاديث التي تضر ولا تنفع.

    أليس محزناً أن نورث الأجيال القادمة هذا الابتكار، ونحن أبناء حضارة أورثت البشريةَ الأبجديةَ وعلومَ الجبر والطب والفلسفة، ونفائس الشعر وعظيم الأدب والمعرفة؟!

    لن استحضر الماضي لأتغنّى بأمجاد الأجداد وأذكّر بابن حيان وابن الهيثم وأبي العلاء المعري وإسحق بن حنين وابن سينا.. وغيرهم من عظماء التاريخ العربي والإسلامي، لأن الماضي الذي نفخر به قد مضى، ونحن أبناء اليوم وأجيال الغد، فإن لم ندخل المستقبل من بوابة المعرفة.

    فسينبذنا هذا المستقبل، لأنّ تفاحة هذا العصر هي تفّاحة المعرفة اللامحدودة، المعرفة التي تختصر الزمن وتضمّ تحت جناحيها آلاف السنوات من عمر الحضارة البشرية، لأنّ المعرفة اليوم أصبحت أعظم وأكثر قوّة بفضل ما أتيح لها من أدوات حديثة، لتصل إلى عصر الذكاء الاصطناعي، وهو العصر الذهبي للبشرية.

    في تأكيده على أهمية المعرفة، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «المعرفة هي رأس المال الحقيقي للبشرية».

    أمّا الفيلسوف والكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون فيقول: «المعرفة قوّة».

    وإذا كانت المعرفة بهذه القوة وهذه الأهمية، أليس الأجدر بنا أن نبحث عنها ونلاحقها ونمتلكها أينما وجدت؟!

    أليس الأجدر بنا أن نمتلك تفّاحة واحدة ترمز لأحد أنواع أو أبواب المعرفة بدلاً من تفاحتين تعبقان برائحة التنباك بين طاولات المقاهي؟!

    للأسف.. شتان ما بين تفاحهم وتفاحنا!

    * رئيس مجموعة دكتور أحمد النصيرات للتميز والابتكار

     

    طباعة Email