00
إكسبو 2020 دبي اليوم

في السودان.. المصالح تتصالح

قبل يومين، بدأ الطيران التجاري الإسرائيلي يحلّق فوق الأجواء السودانية، بعد أقل من أسبوعين من اللقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته نتانياهو.

والفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في مدينة عنتيبي بما تحمله المدينة الأوغندية لإسرائيل ولنتانياهو في الذاكرة من معنى رمزي، فعلى مطارها تم تحرير رهائن الطائرة الإسرائيلية المختطفة من قبل فلسطينيين وأجانب في الرابع من يوليو عام 1976، وقتل فيها شقيق نتانياهو.

وكما هي العادة في الخلافات العربية، تراوحت المواقف من اللقاء بين توجيه الاتهامات بالخيانة والتآمر والتخلي عن الثوابت، وبين الترحيب الخجول والصمت، الذي يعد في مثل تلك الحالات من علامات الرضا. وفي كلتا الحالتين لم يتوقف أحد عند المبررات الداخلية السودانية التي قادت إلى إتمامه، وقبل ذلك أمام تاريخ العلاقات غير المعلنة بين الحكومات السودانية المتعاقبة مع إسرائيل.

لم يكن لقاء البرهان مع مسؤول إسرائيلي هو الأول من نوعه في تاريخ الحكومات التي تعاقبت على الحكم في السودان منذ استقلاله عام 1956.

ففي منتصف عام 1984 تم لقاء بين الرئيس جعفر النميري واثنين من مساعديه وارييل شارون وعدد من ضباط الموساد في العاصمة الكينية نيروبي، انتهى بالاتفاق على نقل 20 ألفاً من الفلاشا – اليهود الأثيوبيين - من معسكرات على الحدود السودانية إلى إسرائيل في مقابل دفع مبلغ 56 مليون دولار، فضلاً عن منح مالية إضافية، وهي الصفقة التي تم تنفيذها نهاية العام نفسه بإشراف من الأجهزة الأمنية السودانية.

وفي البدايات الأولى لحكم حسن البشير في تسعينيات القرن الماضي، هبط علي في مكتبي بجريدة الأهالي وسط القاهرة، مجموعة من ضباط سودانيين تم تسريحهم بعد انقلاب جماعة الإخوان على حكومة الصادق المهدي، وقدموا لي وثائق - نشرتها الأهالي في حينها - تثبت موافقة البشير وحسن الترابي على ترحيل أعداد جديدة من الفلاشا إلى إسرائيل، بمعاونة من الأجهزة السودانية.

ولعل من هنا بات الغرب يستمد فكرته التافهة، التي يكذبها الواقع كل يوم، حول أن الإخوان جماعة دينية وسطية، يمكن لها مواجهة التيارات الدينية المتطرفة، والدليل الذي يسوقه على ذلك هو موقفها المعتدل من إسرائيل.

كانت الخطوات السابقة تجري سراً، وتستعصي، في زمانها، على القبول الشعبي داخل السودان وخارجه، أما وموازين القوى في المنطقة قد تغيرت الآن، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار الدولي.

فقد تراجعت الحدة التي كانت النخب السياسية في المنطقة تنظر بها لخطوات التطبيع مع إسرائيل، وباتت تلك اللقاءات شبه علنية. وهل هذا جيد؟ بالطبع لا، لكنه واقع يستدعي دراسة جادة للأخطاء التي قادت إليه، لو أن هناك رغبة حقيقية لتلافي تكرارها.

وإذا كانت السياسة في أحد تعريفاتها هي فن الممكن، وهي القدرة على رعاية شؤون الدولة وفقاً لحسابات المصلحة والقوة، فإن الخطوة التي قام بها البرهان، وأيدها الجيش في بيان له، هي صفقة تم الترتيب لها منذ أشهر مع الإدارة الأمريكية، لرفع السودان من لائحة الدول التي تصنفها الإدارة الأمريكية راعية للإرهاب، ورفع العقوبات الاقتصادية عنه لجذب الاستثمارات الخارجية، وإنهاء عزلته الدولية.

وكما أعلن البرهان فهو لم يقدم في المقابلة أية وعود بالتطبيع أو إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وجاءت تلك المقابلة للتقاطع مع خطوتين أخريين، قرار الحكومة السودانية بالموافقة على محاكمة البشير وأربعة من أعوانه أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهم إبادة جماعية في دارفور، استجابة لمطالب الحركات المسلحة في صفقة ثانية سعياً لإدماج تلك الحركات في العملية السياسية.

فضلاً عن طلب رئيس الوزراء عبدالله حمدوك من الأمم المتحدة. القيام بمهمة شاملة، لدعم السلم الأهلي، وتقديم الدعم التقني لإصلاح قطاعي الأمن والقضاء. في السودان.

المصالح في كل أنحاء العالم تتصالح، حتى لو شكلت تصدعاً في الدعوات التي ترفض التطبيع، لاسيما إذا اصطدمت بالمصالح والمنافع القطرية التي ترفع آنذاك شعار: لعل لنا عذراً وأنت تلوم.

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email