ضرورة محاكمة المحرّضين على الإرهاب

التحريض على العنف والإرهاب جريمة كبرى، وهو وقود لارتكاب الجرائم الجنائية والإرهابية وإشعال الصراعات ونشر الفوضى في العالم، وكم تسبَّب التحريض في استهداف الآمنين وإزهاق أنفسهم وتهديد الدول وتعكير أمنها واستقرارها، والواقع اليوم خير شاهد على ذلك، فجرائم الإرهاب وموجات الصراعات التي أودت بحياة الآلاف سبقتها الدعايات التحريضية التي أجَّجتها، والتي صدرت من العديد من وسائل الإعلام الموجهة ومن المنابر الإلكترونية المفتوحة، وتولى زمامها إعلاميون ومثقفون ومتاجرون بالدين ومنتمون للتنظيمات الإرهابية كالإخوان والقاعدة وداعش وغيرهم، وكانت حصيلة هذه الموجات التحريضية علقماً مرّاً لا يزال العالم يتجرعه ليومنا هذا.

إن القضاء على ظاهرة التحريض على الإرهاب ضرورة كبرى، ومسؤولية مشتركة، سواء كان التحريض صادراً من جهات أو أفراد، وعندما تساهل العالم في الفترات الماضية مع المحرضين، الذين كانوا يستغلون المنابر الإعلامية وخاصة الإلكترونية للتحريض على العنف والإرهاب، ويوظفون حرية الرأي والتعبير أسوأ توظيف؛ كانت النتائج مرة، حيث ارتفعت موجات الإرهاب، وانفجرت الصراعات، وخاصة مع ظهور تنظيم داعش وانطلاق ذئابها المنفردة ونشوب الحروب الأهلية، ومع تنامي الآثار السلبية للتحريض ضج عقلاء العالم من ذلك، ونادوا الشركات المسؤولة عن شبكات التواصل الاجتماعي بوضع حد لاستغلال الإرهابيين والمحرضين لمنصاتها للتحريض والدعايات المضللة، ما اضطر هذه الشركات بعد الضغوط المتواصلة إلى وضع قيود للحد من هذه الظاهرة.

ولخطورة التحريض الإرهابي نصت كثير من القوانين المحلية والدولية على تجريمه، ومعاقبة صاحبه، وخاصة إذا كان تحريضاً عاماً علنياً، ومن هذه الجهات المحكمة الجنائية الدولية التي نصت في موادها على أن التحريض على ارتكاب أية جريمة أمرٌ يعاقب عليها هذا القانون.

إن المحرِّض على العنف والإرهاب لا يقل خطراً عن الفاعل نفسه، بل قد يكون خطره أكبر وضرره أشد، وخاصة إذا كان التحريض في فضاء إلكتروني عام يتابعه الملايين من الناس، فهذا التحريض ليس مجرد صراخ في فراغ، بل هو وقود لإشعال نيران الجرائم والصراعات، ومن هؤلاء المحرضين بعض الإعلاميين الذين تجردوا من كل المهنية والمسؤولية، ولم يبالوا بآلاف المتابعين لهم، فحرضوا على العنف والإرهاب ضد الدول ورموزها، واستغلوا الفضاء الإلكتروني في تأجيج الصراعات والفتن، وكأنهم يظنون أنفسهم في غابة لا يحاسبهم فيها أحد، ومنهم المدعو جمال ريان مذيع قناة الجزيرة القطرية الذي دعا على حسابه الرسمي في تويتر إلى تشكيل فرق خاصة مدربة تدريباً عالياً للتعامل مع رموز الدول العربية بهدف ردع هذه الدول!!

إن مثل هذا التحريض المشين الذي يدعو للإرهاب وزعزعة أمن الدول العربية واستقرارها واستهداف رموزها لجدير بأن يحاسَب صاحبه، بموجب القوانين الدولية التي تجرم ذلك، ردعاً لأمثاله من المستهترين بالأرواح، المحرضين على الرموز والأوطان، المؤججين للعنف والعدوان.

كما أن من واجب الدول نفسها أن تقف بالمرصاد أمام أي تحريض إرهابي، وخاصة إذا صدر عمن يتصدرون واجهاتها الإعلامية، وهذا ما لا نجده وللأسف في بعض الدول، التي تؤوي الإرهابيين والمتطرفين، وتسخِّر أدواتها الإعلامية كمنصات للتحريض ضد الدول، ويُستهان فيها بهذا الأمر إلى الدرجة التي يتجرأ فيها إعلاميوها على التحريض العلني على تشكيل ميليشيات مسلحة لاستهداف رموز الدول والمساس بأمنها واستقرارها، ما ينبئ عن استهانة هذه الدول بمكافحة الإرهاب، وعدم جديتها في ذلك، وسكوتها عن المحرضين الذين يبثون سمومهم من أراضيها، بل وإطلاق العنان لهم.

إن الواقع اليوم لا يتحمّل مزيداً من الاحتقان والتحريض على العنف والإرهاب، فهو يغلي بالمشكلات والصراعات في مناطق عدة من العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تحتاج إلى حلول وعلاج، ذلك الذي يملي على العقلاء عامة وعلى الإعلاميين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة أن يتحلوا بروح المسؤولية، وألا يسهموا من قريب أو بعيد في صب مزيد من الوقود لتأجيج النيران هنا أو هناك، كما يملي هذا الواقع على الدول والمنظمات الدولية التصدي لظاهرة التحريض، ومحاسبة المحرضين، عبر القوانين المحلية والدولية، صيانة لأمن الدول واستقرارها، وحفظاً للسلام العالمي من عبث المحرضين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات