التعليم من أجل الحياة

حين تتلاقى الرؤى فيما يختص بتجهيز الأجيال الصغيرة للمستقبل، فإن هذا يعني أن المصلحة واحدة والطريق واحد والمنافع للجميع.

وحين يكون هذا التلاقي في مجال التعليم، فهذا يعني خيراً وفيراً للجميع. قبل أيام، شهدت القاهرة مؤتمراً رفيع المستوى حول تعزيز التعلم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

المؤتمر الذي دعت إليه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية بالتعاون مع البنك الدولي شهد عروضاً بالغة الثراء لدول عربية وأفريقية في مجال التعليم.

لم تأتِ العروض على سبيل استعراض العضلات، أو التفاخر بالإمكانات، بل سر ثرائها يكمن في أن أغلبها مرتكز على أفكار خارج الصندوق.

فمن تجربة تعليم في غينيا قائمة على دعم المجتمع المحلي، إلى الاستعانة بالهواتف المحمولة الذكية للوصول بالمعلم إلى الأماكن الريفية والنائية في نيجيريا، إلى توفير وجبات لنصف مليون طالب في الأردن على الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب، إلى محاولة الاستعانة بألواح رقمية متصلة بالطاقة الشمسية لتيسير وصول التكنولوجيا إلى الطلاب في ملوي، إلى تجارب لمعلمين وقادة مدارس تمكنوا من أن يغيروا مسار حياة طلابهم، سواء بجذبهم للمدرسة أو مد يد حانية إليهم قد لا تكون متوافرة في البيت، أو بجعل المدرسة قوة جاذبة وليست طاردة للصغار، استمع الحضور لعشرات التجارب الناجحة، وتعرفوا إلى التحديات التي تواجه هذه التجارب الفريدة.

لكن بزغت تجارب مصر والإمارات والسعودية لتؤكد أن التقارب حين يكون في مجال تعليم الصغار، فإن القادم حتماً أفضل.

وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المصري الدكتور طارق شوقي عرض تجربة مصر في دعم إصلاح التعليم دق على الأوتار التي تتبعها الإمارات والسعودية بدرجات متفاوتة على صعيد تأهيل الطلاب للحياة.

برنامج الإصلاح في مصر قائم على التأسيس لنظام يجعل الطالب مؤهلاً لخوض الحياة بمعايير العصر، وليس مجرد اجتياز الاختبارات وإحراز الدرجات.

المهارات كلمة سر المنظومة، لا سيما تلك المتصلة بسوق العمل المصري حين يحين وقت انضمامهم إليه في منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.

فمن إعادة هيكلة مفهوم التعليم في رياض الأطفال، إلى تطوير وتحسين وتحديث أساليب التدريس عبر تأهيل المعلمين بالتدريب السلوكي والتكنولوجيا الرقمية، إلى استحداث نظام جديد لتقييم طلاب المرحلة الثانوية يركز على المهارات المستقبلية الموجودة، إلى توفير عناصر تكنولوجيا التعليم عرضت مصر رؤيتها للتطوير التي بدأت بكل قوة وتمضي قدماً لتتبلور نتائجها عند نهاية سبتمبر (أيلول) عام 2023.

وزير التعليم في دولة الإمارات معالي حسين إبراهيم الحمادي تحدث في جلسة شرفت بإدارتها عن التجربة الفريدة التي تخوضها الإمارات والمتمثلة في إلزامية حصول المعلم على رخصة المعلم التي أصبحت شرطاً لمزاولة مهنة التعليم.

ويأتي الترخيص مع مسار التدريب المتميز والمدروس جيداً لتدريب وتأهيل المعلمين الذين هم قلب أي عملية تعليمية.

تحدث الحمادي عن المسار التدريبي المهني للمعلم والذي يتيح للمعلمين التزود بالأدوات اللازمة للتطور المستمر، مع التدرج في مسارهم المهني، ما يشكل تحفيزاً لهم على التدريب والتجويد.

وتحدث الحمادي عن الجهود التي تبذلها الإمارات للاستفادة المثلى من المعارف التي يحصل عليها المعلم بحكم شهادته الجامعية وذلك بصقلها بمهارات لازمة للعملية التعليمية، وهو ما استلزم إطلاق «رخصة المعلم».

ولأن الإمارات تعني التعددية وتعني التسامح، فإن من ضمن معايير ترخيص مزاولة مهنة المعلم التمتع بثقافة التسامح.

وحيث إن أي عملية تعلم مهما كانت طموحة أو متطورة لا تكتمل دون القياس المستمر لتقييم الأداء وعلاج المشكلات، فإن تجربة المملكة العربية السعودية في هذا الشأن بالغة الأهمية.

رئيس لجنة تقييم التعليم والتدريب في السعودية الدكتور حسام زمان تحدث عن سبل قياس وتقييم أداء المعلمين عبر قياسات علمية قادرة على تصحيح الأداء وتقويمه بشكل علمي وعلى أسس منهجية سليمة.

تجارب الدول الثلاث تشير إلى أن الرؤى تغيرت، والمسارات تطورت، واليقظة والجاهزية للأجيال القادمة واحتياجاتها لم تعد حبيسة أنظمة التعليم العتيقة التي لم تعد تصلح لسوق العمل أو احتياجات العصر أو تحدياته.

والإشادات المتبادلة على جوانب التفرد في كل تجربة لم تكن إشادات على سبيل المجاملة، لكنها إشادات تعكس استفادة متبادلة، ورغبة في التعاون، ويقيناً بأن المستقبل المرتكز على جيل تعلم تعليماً يؤهله للحياة، وخلق لدى الصغار شغفاً بالعلم واهتماماً بالمعرفة هو الطريق المشترك الذي يسلكه متقاربو الفكر والهدف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات