التقاعد حياة أخرى

أراد أحد الأصدقاء الظرفاء تعريف التقاعد انطلاقاً من فقه اللغة، فقال: «التقاعد كلمة مؤلفة من مقطعين: (مت) و(قاعد)، والمقصود بها مُتْ وأنت قاعد»، وقال آخر «إنه معنى آخر للتقدم بالسن».

وفي الواقع لم أجد تعريفاً أكثر إحباطاً وتشاؤماً من التعريف الأول، خاصة وأنني أخالفه الرأي تماماً لأنني على قناعة بأنّ التقاعد هو مرحلة جديدة من العطاء المليء بالخبرات وكنوز المعرفة التي جمعها المتقاعد طوال سنوات حياته المهنية والاجتماعية.

وكي لا يصيبني الإحباط من تعريف الصديق المتشائم، سألت عدداً من أصدقائي المتقاعدين عن حياتهم بعد التقاعد، فقال أحدهم إنّه أصبح أكثر تركيزاً في صلاته، لأن عقله لم يعد مشغولاً بتفاصيل مهامه المهنية، وقال آخر إنّه تخلّص من القلق والأرق وأصبح نومه أكثر راحة.

صديق ثالث استغلّ خبراته السابقة بالتخطيط في تنظيم جدول شهري بالوجبات اليومية، من أجل مساعدة زوجته التي تشكو دائماً من الحيرة في نوع الطعام الذي ستطبخه.

صديق آخر أكّد لي أنّ حياته أصبحت أكثر سعادة ودخلها المرح بعد أن أصبح لديه الوقت لرؤية أحفاده واللعب معهم ومشاركتهم لحظاتهم الطفولية البريئة.

وذكر لي أحدهم أن التقاعد نعمة بالنسبة له، لأنّه أصبح حرّاً بوقته، وبات المجال مفتوحاً أمامه للسفر والسياحة، على ألا يمرّ من جانب مقرّ عمله السابق، لأنّ ذلك المكان يثير في نفسه الضيق لكثرة ما تعرّض فيه للإزعاج والمضايقات من مديريه السابقين.

كلّ تلك الأفكار أخذت طريقها إلى ذهني بما أنني تقاعدت منذ شهرين، ومثل غيري من المتقاعدين أول ما تبادر إلى ذهني هو السؤال: «ماذا سأفعل بوقتي»؟!

أليس من نعم الله تعالى أن نمتلك الوقت لنفعل به ما نشاء؟!

سابقاً كنت أتساءل كيف سأمتلك الوقت الكافي لأنجز كلّ ما عليّ من واجبات ومهمّات، واليوم أنا محتار بماذا أملأ الوقت الذي بات متاحاً لي!

إنها دون شكّ (نعمة التقاعد)، فقد بدأت مرحلة جديدة من حياتي بعد أن تراكمت لديّ خبرات سنوات طويلة في العمل وفي الحياة، أصبحت قادراً على التركيز أكثر في كلّ أمر أقدم عليه، وأصبح الوقت متاحاً لكي أقرأ أكثر، وأستمتع بصحبة الأقارب والأصدقاء، إضافة إلى المساهمة بمعرفتي وخبرتي ونقلها إلى أجيال المستقبل، وكذلك نقل خلاصة معرفتي وتجربتي الممتدة إلى من يرغب من المؤسسات والأفراد.

فطالما كان الإنسان قادراً على العطاء؛ عليه ألا يتوقف عند سنّ ما أو في لحظة ما، لأنّ الزمن لا يتوقف، ومن الطبيعي أن يحال الكبار إلى التقاعد لكي يُفسَح المجال أمام جيل الشباب لشغل وظائفهم ومهامهم، لكن من الجميل أن يستفيد الشباب من خبرات المتقاعدين؛ وأن يستشيروهم ويستلهموا أفكارهم.

فمن المؤسف إهمال تلك السنوات الطويلة من التراكمات المعرفية، وإذا نظرنا إلى الواقع، فسنجد أن أفضل الأعمال الأدبية والمؤلّفات الفلسفية كُتبت بعد التقاعد، لأنّها احتوت خلاصة زمن طويل من الخبرات، وعلى سبيل المثال نشر غابرييل غارسيا ماركيز مذكراته في ثلاثة كتب تحت عنوان «أعيش لأروي»، حين كان في الخامسة والسبعين من عمره، أما الأديب السوري الراحل حنا مينة فنشر روايته «الشراع والعاصفة» في سنته الثانية والثمانين.. والأمثلة كثيرة عن شعراء وفلاسفة وأساتذة جامعيين لم يتوقّف بهم الزمن عند سنّ التقاعد.

ورغم أنّ التقاعد قد يشكّل أزمة نفسية للبعض، إلّا أنّ آخرين يجدونه فرصة لحياة هادئة ومريحة، وفرصة للتفرّغ للإبداع والعطاء وتحقيق ما لم يسمح الوقت السابق بإنجازه.

ولعلّ التقاعد في دولة كالإمارات العربية المتحدة يأخذ معانٍ أخرى، ويحمل آفاقاً أكثر اتساعاً للمتقاعدين الذين يحظون باهتمام بالغ من أعلى مستويات القيادة، فهم من ينتمون إلى فئة «كبار المواطنين»، الذين قال عنهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «كبارنا هم الشباب الذي لا ينضب عطاؤهم، وأحثّ أبناء الإمارات على أن ينهلوا من تجاربهم وخبراتهم وأن ينتهجوا ثقافة العطاء والتفاني والإخلاص».

* رئيس مجموعة دكتور أحمد النصيرات

للتميز والابتكار

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات