الاستقطاب غيّر الحزبين الأمريكيين بطرق مغايرة

سيطرة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على السياسة الأمريكية منذ الحرب الأهلية، منح الأمريكيين وهم الاستقرار، وبأن الانقسامات السياسية التي نشهدها اليوم ترسم الخطوط نفسها التي كانت سائدة في الماضي.

لكن في العقود الأخيرة، كان الحزبان يتغيران وبسرعة. وتلك التغيرات هي أيديولوجية، فقد انتقل الحزب الديمقراطي إلى اليسار، والحزب الجمهوري إلى اليمين. لكن الأمر الأهم، هو أن تلك التغييرات كانت في التركيبة: فالديمقراطيون أصبحوا أكثر تنوعاً وشباباً وعلمانية وحضرية، فيما تحول الحزب الجمهوري إلى واسطة للناخبين «الأكثر بياضاً» الأكبر في السن والأكثر مسيحية وريفية. وهناك تكمن جذور الاستقطاب المتزايد: فخلافاتنا الأيديولوجية والديموغرافية ترسم انقسامات الحزبين اليوم في طرق لم تكن في الماضي، لكن التغييرات لم تؤثر في الحزبين على نحو مماثل.

بعبارات مبسطة، لا يمكن أن يفوز الديمقراطيون عن طريق إدارة نوع الحملات وتوظيف نوع التكتيكات التي تنجح مع الجمهوريين. يمكنهم الانتقال إلى اليسار لكن لا يستطيعون التخلي عن الوسط أو، أخذاً في الاعتبار جغرافيا السياسة الأمريكية، عن يمين الوسط ويحتفظون بالسلطة. فالديمقراطيون مقيدون بالتنوع والديمقراطية، فيما الجمهوريون ليسوا كذلك.

على مدار الخمسين عاماً الماضية، كان يجري تصنيف ائتلافات الديمقراطيين والجمهوريين بناءً على الأيديولوجية والعرق والدين والجغرافيا وعلم النفس. تلك التصنيفات ليست نفسها الآن. فالفرز جعل الديمقراطيين أكثر تنوعاً والجمهوريين أكثر تجانساً. وهذا يتم النظر إليه كضعف سياسي بالنسبة إلى الديمقراطيين.

وبينما يعتمد الجمهوريون بأغلبية ساحقة على الناخبين «البيض»، فإن الديمقراطيين هم ائتلاف من البيض الليبراليين، والأفارقة، واللاتينيين، والآسيويين والأعراق المختلطة. وفيما يعتبر ثلاثة أرباع الجمهوريين أنفسهم محافظين، فإن نصف الديمقراطيين يسمون أنفسهم ليبراليين.

نتيجة لذلك، فإن فوز الديمقراطيين بالانتخابات التمهيدية يعني إعداداً مهماً للعمل الشاق متعدد الوجوه، حيث يجب موازنة احتياجات واهتمامات العديد من المجموعات المختلفة.

الجمهوريون يسيطرون على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ والمحكمة العليا وعلى غالبية الحاكميات، ويقع مجلس النواب فقط تحت سيطرة الديمقراطيين. ومع ذلك، فاز الديمقراطيون ليس فقط بمزيد من الناخبين في انتخابات مجلس النواب، بل فازوا أيضاً بمزيد من الناخبين في انتخابات مجلس الشيوخ الثلاث الأخيرة. وفازوا بمزيد من الأصوات في الانتخابات الرئاسية عامي 2016 و2000. لكن النظام السياسي في أمريكا يحسب الولايات والمقاطعات بدلاً من الناس.

ولكي يفوز الديمقراطيون بالسلطة، ليسوا بحاجة إلى جذب أصوات الناخبين في الوسط، بل الناخبين إلى يمين الوسط. عندما يتنافسون على مجلس الشيوخ، فإنهم مجبرين على مناشدة ناخبين أكثر محافظة من متوسط البلاد ككل. على نحو مماثل، فإن ممارسة التقسيم الانحيازي للدوائر الانتخابية والجغرافيا تعني أنه على الديمقراطيين أن يفوزوا بأغلبية كبيرة في التصويت الشعبي في مجلس النواب.

بعد تلك الخسائر، كان من المحتمل أن يصلح الجمهوريون رسالتهم. ولو هُزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2016، لكان تعزز موقف المعتدلين الجمهوريين ممن نصحوا بمزيد من التواصل مع الناخبين السود واللاتينيين. بدلاً من ذلك، فإن الجمهوريين محاصرون اليوم في مكان خطير: يمثلون دائرة انتخابية تنكمش أعدادها تتمتع بسلطة سياسية واسعة. لهذا السبب، تكمن الآمال الحقيقية القليلة لنزع الاستقطاب من السياسة الأمريكية في إضفاء الديمقراطية. البديل لدمقرطة أمريكا أكثر رعباً من مجرد استقطاب: إنه في النهاية أزمة شرعية يمكنها أن تهدد أساس نظامنا السياسي. فبحلول 2040، سيعيش 70% من الأمريكيين في أكبر 15 ولاية. وهذا يعني أن 70% من أمريكا سيجري تمثيلها من قبل 30 من أعضاء مجلس الشيوخ، و30% أخرى من قبل 70.

وليس صعباً تصور أمريكا حيث الجمهوريون يفوزون دائماً في الرئاسة على الرغم من أنهم نادراً ما يفوزون بالتصويت الشعبي، وحيث يسيطرون بالعادة على مجلس النواب والشيوخ على الرغم من أنهم من النادر أن يفوزوا بمزيد من الأصوات أكثر من الديمقراطيين، وحيث هيمنتهم على المحكمة العليا لا جدال فيها، وحيث كل تلك السلطة تستخدم لدعم نظام من «التقسيم الانحيازي للدوائر»، وقوانين تمويل حملات مؤيدة للشركات، ومتطلبات تحديد الناخبين أكثر صرامة، وتشريعات مناهضة للنقابات تسهم في مزيد من إضعاف الأداء الانتخابي للديمقراطيين. وفي هذا المسار تكمن أزمة سياسية حقيقية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات