فتح النافذة على السياسة

مناهج وقواعد ونظريات الإعلام في الجامعات ليست وحدها التي اضطرتها ظروف التغيير ورياح الرقمنة للتجديد والتحديث.

فها هي مناهج وقواعد ونظريات السياسة وعلومها تجد نفسها تقف على ضفة لا يرتادها سوى الباحثين والمنظرين وطلاب الشق النظري. نظرياً، مازال ملايين طلاب الإعلام يدرسون قواعد التصميم الصحافي الورقي بالطرق القديمة التقليدية. يدرسونها، وهم ومدرسوها يعلمون علم اليقين أن الغالبية المطلقة منهم لن يتطرق إليها من قريب أو بعيد بعد انخراطهم في العمل. حتى أولئك المقدر لهم الالتحاق بجريدة أو مطبوعة ورقية، سيجدون الأمر قد أصبح مميكناً مرقمناً.

رقمنة الإعلام لا تعني عدم الإلمام بالقديم مثل خطوات إعداد الصحف يدوياً، وجمع المادة والإخراج عبر قص ولصق الأعمدة، وباب «رسائل القراء»، واستخدام الصور الفوتوغرافية وغيرها من الأسس. لكنها ستتحول من مادة «قواعد العمل الصحافي» إلى «تاريخ العمل الصحافي».

إنها سنة الحياة. فقد تغير الواقع الإعلامي، بفعل الإنترنت وتقنية المعلومات والرقمنة. لكن سنة الحياة لا تقف عند حدود مناهج الإعلام الآخذة في التغير والتطور، لا لمواكبة العصر، بل للاستعداد للمستقبل. ويبدو أنه قد آن أوان تغيير وتطوير مناهج العلوم السياسية التي تدرس في كليات العلوم السياسية وما يتصل بها من تخصصات مثل السياسة الدولية، والتنمية الدولية، والعلاقات الدولية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي وغيرها. فما يدرس في هذه الكليات مترامية الأطراف على ظهر الكوكب لا يمت بكثير من الصلة إلى ما يجري من تفاصيل في الكوكب نفسه.

صحيح أن ما كنا ندرسه في كلية العلوم السياسية من «تاريخ الشرق الأوسط» و«أنظمة الحكم المقارن» و«الفكر السياسي في الإسلام» و«الإدارة الأمريكية»، حيث أنظمة الانتخابات الأمريكية شديدة التعقيد، وقوانين ومواثيق حقوق الإنسان وخلفياتها التاريخية، وتاريخ النظريات السياسية، وقواعد الاقتصاد والاجتماع السياسي، وتاريخ الاستعمار وغيرها كانت وما زالت مفيدة لتكوين معرفة عامة ورؤية سريعة.

لكن مجريات الأمور السياسية وبالطبع الاقتصادية (ولعل الاقتصاد يسبق السياسة من حيث الأهمية) من حولنا تشير إلى أن النظرية والمناهج الدراسية الخاصة بالعلوم السياسية وفروعها بعيدة كل البعد عن الواقع من حولنا. ومن يصر على الالتصاق بها والالتزام بما جاء فيها، واللجوء إلى مراجعها كلما واجه مشكلة أو تعرض لأزمة أو تهدد بكارثة، فهو حتماً يصر على العيش في كوكب موازٍ للأرض.

الأرض حافلة بالتطورات السياسية والاقتصادية فائقة السرعة. شرر بعضها وشظاياه تطولنا في منطقتنا العربية، بل يمكن القول إن نصيب الأسد لنا. وحتى لا نغرق في جدليات «هل نتعرض لمؤامرة؟»، و«هل العالم يتحالف ضدنا؟»، و«هل كل ما يجري عندنا وبنا يقع ضمن مخطط كوني لإغراقنا؟»، يجدر بنا أن نلتفت إلى الواقع.

الواقع يشير إلى أنه يجري حالياً تحميل نسخة جديدة من توازنات القوى وإعادة ترسيم حدود جغرافية وسياسية واقتصادية ومراجعة تقسيم الكعكة طبقاً لمعايير جديدة. والواقع يشير أيضاً أن تعريف العلوم السياسية الكلاسيكي باعتبارها «دراسة الحكومات والمؤسسات والممارسات السياسية، وآلية الحكم، والأحزاب وقواعد الانتخابات والأيديولوجيات والمذاهب الفكرية السياسية والاقتصادية» أقرب ما يكون إلى دراسة تاريخ النظريات مع بعض من التجارب السابقة للدول، على اعتبار أن التاريخ يعيد نفسه لا محالة.

لكن من المحال الاعتماد على ما سبق لفهم ما نحن فيه وما هو آت. وأرى في تعريفات مثل «العلوم السياسية هي من يحصل على ماذا، متى، وكيف» لعالم السياسة الأمريكي الراحل هارولد دوايت لازويل مقاربة للواقع. كما أن التسليم بأن العلوم السياسية تتشابه وتتقارب مع العديد من العلوم الاجتماعية والإنسانية، لكنها تختلف عنها في تركيزها الواضح والمباشر على مفهوم «القوة» هو بداية التعامل الواقعي مع حياتنا. لا «الحنجورية» ستنجينا، ولا التشعلق بأوهام سينجدنا.

خرج الرئيس الأمريكي ترامب من مسلسل العزل «صاغ سليم»، رغم قناعات مؤكدة لمنظرين ومحللين أن عزله في حكم المؤكد. ومن قبلها، فاز في الانتخابات الرئاسية، رغم جزم حاسم من مراقبين باستحالة فوزه. اقتتالات الطاقة وصراعات المياه باتت أقرب إلينا مما نتصور، ولنا في تحركات تركيا في ليبيا مثال، وفي ملف سد النهضة من مصر نموذج.

غاية القول إن من أراد أن يعمل سياسة ويفهمها، عليه أن يستيقظ من النوم ويفتح النافذة ويطل منها. إنها سنة الحياة وعلومها السياسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات