العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    صفر أصدقاء

    صانع الأزمات بامتياز، لاعب محترف في ملاعب الفتن، يتلذذ بالكذب، رائد مدرسة الكلام عن شيء، وتطبيق عكسه. يناور ويخادع، ويتسلل ويخون، لا عهد له، ولا كلمة، ولا أمان.

    الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أن يتولى الحكم، كانت تركيا تتمتع بقدر لا بأس به من التوازنات والعلاقات مع بعض الأصدقاء.

    لكنه بسرعة الصاروخ استطاع -بفضل سياسته الرعناء -أن يحوّل تركيا إلى دولة معزولة رصيدها «صفر من الأصدقاء».

    يظن أنه الأذكى في سياساته، بينما توابعها تكشف عمقه في الغباء.

    ما يفعله الآن في ليبيا، عنوان صارخ لهذه السياسة الفاشلة المنفرة، فبعد التزامه أمام العالم في مؤتمر برلين بالهدنة، ووقف إرسال المرتزقة، والإرهابيين إلى ليبيا، فضحته حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديجول»، عندما نقلت إلى العالم بالصوت والصورة السفن التركية، وهي تنقل المرتزقة والأسلحة.

    ومنظومات الدفاع الجوي إلى الغرب الليبي، وهو ما دفع جميع الدول المشاركة في «برلين» للاستنكار ورفض السلوك التركي، وعدم التزام أردوغان بما تعهد به، الأمر الذي يدفع إلى إعادة النظر في التعامل معه، هذا فضلاً عن انعدام الثقة بينه وبين أطراف المجتمع الدولي.

    هذا السلوك الأردوغاني في ليبيا يأتي ضمن قاموسه التاريخي في صناعة العداء مع دول الجوار وغيرها. فقد سبق هذا السلوك تصرفات مماثلة مع كل من قبرص واليونان، والعراق، وسوريا، والصومال، ومصر، ودول الخليج العربي.

    ففي قبرص واليونان، حاول احتلال بعض الجزر اليونانية في بحر «إيجه»، كما تجاوز في حق المنطقة الاقتصادية الخالصة في قبرص.

    مهدداً باستخدام القوة، والسفن الحربية ضد الشركات العالمية العاملة في هذه المناطق، مما دفع الاتحاد الأوروبي لإصدار حزمة من العقوبات على الدائرة المقربة من أردوغان.

    ومنعها لتركيا من الحصول على أية قروض أوروبية، لحين توقفها عن هذه الممارسات.

    إذاً خسر قبرص واليونان، ودول الاتحاد الأوروبي، أما في العراق فقد رفض كل النداءات لسحب قواته من شمال العراق.

    وراح يروّج لمزاعم وأوهام تاريخية بأن الموصل، وكل الأراضي المحيطة بها، هي جزء من الإمبراطورية العثمانية الجديدة، وأنها يجب عودتها إلى الحضن العثماني في عام 2023، لذلك رفض سحب قواته من حوالي 20 قاعدة عسكرية في شمال العراق، وفي مقدمتها قاعدة بعشيقة.

    تتجلى موهبته في تحقيق أكبر قدر من الخسائر في شمال وشمال شرق سوريا، إذ إنه بذل جهداً في تحويله إلى مستنقع كبير للمرتزقة والإرهاب وجماعات مثل داعش، وجبهة النصرة، وأحرار الشام، وفي نهاية المطاف خرج خاوي الوفاض.

    خسارته في سوريا لم تسعفه من إعادة ترتيب أوراقه، فاهتزت صورته في الداخل والخارج، ففي الداخل التركي قالت كلمتها أرقام الاقتصاد، وردود أفعال معارضيه.

    وفي الخارج لم يتبقَ له صديق على الساحة الدولية، فقد راكم المواقف السلبية تجاهه بدءاً من خسارته للولايات المتحدة الأمريكية، وحلف الناتو، جراء شراء منظومة الدفاع الصاروخية الروسية S400.

    كما خسر أكبر اقتصاد في أوروبا، وهي ألمانيا عندما حاول التدخل في الشؤون الداخلية الألمانية، والضغط بورقة الألمان من أصول تركية في الانتخابات الألمانية. أخطأ أردوغان في حساباته فدهسته الماكينة الألمانية.

    لم يتعلم الدرس، أدمن لعبة الخسارة، فتح جبهة جديدة مع الرئيس الفرنسي ماكرون، عبر التلاسن الإعلامي، واتهام فرنسا بارتكاب جرائم تاريخية.

    أما مساحات الخسارة التي تصل إلى حد «الإفلاس» في العلاقات الخارجية، فهي التي نسجها أردوغان بحنكة وغباء مع مصر ودول الخليج، منذ أحداث ما يسمى بالربيع العربي 2011.

    وإصراره على التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، ودعم وتمويل كل أنواع التنظيمات والجماعات والميليشيات الإرهابية بالمنطقة، وتحويل أنقرة إلى بوق إعلامي للهجوم على هذه الدول، وتشويه الحقائق.

    كل هذه الشواهد تقول، إن أردوغان صار معزولاً عن العالم، يسبح وحيداً في مياه راكدة، لتخرج تركيا من تجاربه بعنوان اسمه «صفر أصدقاء».

    * رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

     

    طباعة Email