بيونغ يانغ تقوض مصداقية واشنطن

هدية «عيد الميلاد» التي سيقدمها زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تصل بعد.

ويتوقع معظم محللي السياسية الخارجية أنها ستكون تجربة صاروخية أكثر إثارة للإعجاب من أي تجربة قامت بها بيونغ يانغ لتاريخه.

فما هي لعبة كيم يا ترى؟ وما الذي يريده كيم؟

كيم لا يرغب في حرب مع الولايات المتحدة حيث إن ذلك قد ينجم عنه إبادة لسلالة كيم الحاكمة التي حكمت كوريا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية.

وكل شيء يتعلق بالزعيم كيم، يدور حول الحفاظ على الذات.

ما يبدو أنه يسعى وراءه في مواجهته مع ترامب هو انتصار من دون حرب. في المدى القريب، يسعى كيم لثلاثة أشياء:

الاعتراف بنظامه باعتباره حكومة كوريا الشمالية الشرعية وقبوله في جميع المنتديات العالمية، التجارة وإنهاء جميع العقوبات الأمريكية والأممية.

وترسانة نووية تكفي لردع هجوم أمريكي بما في ذلك صواريخ يمكنها أن تضرب القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان وغوام ومنطقة غرب المحيط الهادي.

وهو يسعى للحصول على قدرة إيصال رأس حربي نووي إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة.

وليس هذا الهدف الأخير غير المنطقي من وجهة نظر كيم، ذلك أنه يعرف ما أصبحت عليه الدولتان من «محور الشر» للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش اللتان أخفقتا في تطوير أسلحة نووية.

لنقارن بين مصير صدام حسين والقذافي وبين نجاح أسرة كيم. فقد أجرى والده، كيم يونغ إيل اختباراً للأسلحة والصواريخ النووية في تحدٍ للتحذيرات الأمريكية.

والآن تتم دعوة الابن لعقد اجتماعات قمم مع الرئيس الأمريكي في سنغافورة وهانوي.

إذا لم يكن لدى كيم أسلحة نووية، فهل كان الرؤساء الأمريكيون يحاولون خطب وده؟ هل كان وزراء خارجية الولايات المتحدة يزورون بيونغ يانغ؟

إذا لم يكن لدى كيم أسلحة نووية من كان سوف يهتم لأمر المملكة الناسكة؟

ما لا يمكن إنكاره، مع «هدية عيد الميلاد» التي وعد بها، ربما صاروخ قادر على ضرب الولايات المتحدة، هو أن كيم يتجاوز الحدود.

وهو يسخر من الأمريكيين. قلنا له ما يجب أن يفعله، وهو يخبرنا أين يمكننا أن نذهب، لكن كيم بذلك، وضع الكرة مباشرة في ملعب ترامب.

السؤال الذي يواجهه ترامب الآن: هل هو مستعد لقبول انضمام كوريا الشمالية إلى روسيا والصين كقوة عدوانية ثالثة بقدرات شن ضربة نووية على الولايات المتحدة؟

إذا كانت العقوبات الأمريكية غير كافية لإجبار كيم على «نزع أسلحته النووية»، كما يبدو واضحاً، فهل ترامب على استعداد لإجباره على القيام بذلك؟

هل ترامب مستعد لاستخدام «النار والغضب» لإزالة أسلحة كيم؟

هل ترامب مستعد للمخاطرة بصدام يمكنه أن يشعل حرباً كورية ثانية في عام من الانتخابات عام 2020، وفي ظل وجود 28500 جندي أمريكي والآلاف من مواطني الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية، العديد منهم ضمن نطاق المدفعية من المنطقة المنزوعة السلاح؟

هل الرئيس مستعد لأي شيء قد يجلبه هذا الأمر؟ كيف يمكن لهذه المواجهة أن تتطور؟

كتخمين يمكن القول إن الولايات المتحدة عاشت مع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية لعقد من الزمن، ولن يخاطر ترامب بصراع كوري ثانٍ، ويشن هجوماً عسكرياً على ترسانة كيم النووية والصاروخية.

كيم يونغ أون ووالده أوجدا حقيقة جديدة في كوريا، وسيكون علينا أن نتعايش معها.

أين تذهب دول شرق آسيا من هنا؟ يبلغ عدد سكان كوريا الجنوبية ضعف عدد سكان الشمالية واقتصادها أكبر 40 مرة من حيث الحجم.

ويبلغ عدد سكان اليابان خمسة أضعاف عدد سكان كوريا الشمالية واقتصادها أكبر بمقدار 100 مرة. إذا وُضعت المعاهدة الأمريكية التي تعود إلى الخمسينيات.

والتي تضمن القتال من أجل هاتين الدولتين، موضع تساؤل نتيجة لإحجام الولايات المتحدة عن مواجهة بيونغ يانغ بقوة أكبر على ترسانتها النووية، فإن تلك الدول من المؤكد أن تبدأ في النظر في جميع الخيارات لمستقبل أمنها.

من بين تلك، بناء ترسانتها النووية وإقامة علاقات أوثق مع الدولة الواحدة، التي أظهرت قدرتها على ضبط كوريا الشمالية، وهي الصين.

الكثير هنا على المحك.

تحدي كيم، في النهاية، يدور حول مصداقية الولايات المتحدة التي لديها التزامات بموجب معاهدات بضمانات حرب تم إصدارها لعشرات الدول في حلف شمال الأطلسي في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، لكن التي شعوبها ليست لها مصلحة في أي حرب جديدة، وخاصة حرب كورية ثانية.

إذا رأى العالم أن أمريكا مترددة في المواجهة، أو محاربة كوريا الشمالية التي تهددنا، فهل سيحتفظ بالثقة القديمة بأن الولايات المتحدة ستخاطر بحرب من أجلهم؟

وما يعمل كيم على تقويضه ليس فقط أمن الولايات المتحدة بل أيضاً مصداقيتها.

* كاتب سياسي أمريكي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات