القيمة أطول من العمر

الاحتفاء غير المسبوق الذي شهده معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الواحدة والخمسين بالمفكر الكبير والعالم العظيم جمال حمدان، إنما هو زيارة إلى رهبان العلم في أديرة المعرفة الوطنية لفهم الماضي والحاضر والمستقبل.

الإقبال بشغف على علومه، وأبحاثه، ومؤلفاته يمثل انتفاضة للوعي المجتمعي لإعادة الإنصات من جديد لكلام وقراءات ورؤى وتحليلات واستشراقات هذا المفكر العروبي الكبير.بريق الاهتمام بالمفكر جمال حمدان في معرض الكتاب، والتسابق حول اقتناء مؤلفاته، وكأنها حديثة الصدور، دليل دامغ على أن هذا الرجل سابق عصره، وممتد بين أجيال متلاحقة.

رغم رحيل هذا العالم قبل ربع قرن، فإن الزخم في الاحتفاء به يدفعك إلى أن ترى ملامحه في عيون رواد المعرض.

اللافت أيضاً، بل الذي يدعو للإبهار، أن الالتفاف حول هذه الشخصية مثلته أجيال حديثة ربما من المواليد التالية لرحيله، وهي رسالة قوية بأن المعرفة والعلم والقيمة ليس لها حدود زمنية أو جغرافية، بل أيضاً رسالة تقول إن القيمة، قطعاً، ستكون عابرة خارج وداخل الحدود. مهما حاصرها النسيان فستأتي اللحظة المناسبة للإفصاح عنها.

ما قاله وألفه وكتبه جمال حمدان عبر مسيرته الطويلة شاءت الأقدار أن تجعله حديث الساعة. خرائط الحاضر تستغيث بعالم الجغرافيا الذي تنبأ، قبل رحيله، بكل ما يحدث الآن.

كان صاحب بصيرة ثاقبة على استشراف المستقبل، متسلحاً في ذلك بفهم عميق لحقائق التاريخ، فهو الذي اخترع لنا مكوناً جديداً أطلق عليه «جغرافيا الحياة»، والتي وصفها في كتابه الموسوعي «شخصية مصر» بأنها علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة بنظرياتها، ورؤيته هذه جاءت ثلاثية الأبعاد في التعامل مع الظاهرة الجغرافية، لتنقل عالم الجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، ومن جغرافيا الحقائق المرصوصة إلى جغرافيا الأفكار الرفيعة.

ابن محافظة القليوبية «إحدى محافظات القاهرة الكبرى» والذي ينتمي إلى قبيلة بني حمدان، أمضى حياته منزوياً في شقته الضيقة، ينقب ويحلل ويعيد تركيب الوقائع والبديهيات.

هذا الرجل الذي وهب نفسه للعلم والتنوير قادته مفارقات الزمن ليكون من مواليد عام 1928، هو العام نفسه الذي ولدت فيه جماعة الإخوان الإرهابية. العام واحد، لكن الأهداف الوطنية التنويرية انحازت لهذا الشاب الذي حفظ القرآن منذ نعومة أظفاره، وثابر واجتهد حتى حصوله على الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من جامعة ريدج البريطانية.

نعم. أدرك المفكر جمال حمدان أن النجاح قرار، وأن الهدف إرادة، وأن العلم والمعرفة أكبر سلطة. نادته جميع المناصب لكنه لم يستجب سوى لنداء البحث العلمي الذي أفنى فيه عمره، فهو واحد من قلة نجحوا في توظيف أبحاثهم ودراساتهم من أجل خدمة قضايا الأمة، خاض عبر، رؤية استراتيجية واضحة المعالم معركة شرسة لتفنيد الأسس الواهية التي قام عليها المشروع الصهيوني في فلسطين.

بكل المقاييس يمثل هذا العقل حالة نادرة من نفاذ البصيرة فلو تذكرنا، كان إقرار قمة بروكسل (ديسمبر 2003) بتشكيل قوة عسكرية أوروبية منفصلة عن حلف الأطلسي بداية لانهيار التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، نكتشف أن جمال حمدان قد تنبأ بهذا الانفصال قبل نحو 15 عاماً من وقوع هذا الحدث.

الحقائق ثابتة، صاحب العلم الذي لم ينصفه الماضي، قطعاً، لن يقع تحت مذبح المستقبل. من عانى التجاهل لسنوات طويلة، أصبحنا الآن نهرول وراء أوراقه ومؤلفاته، لنعترف بالذنب، وتأنيب الضمير جراء عدم إعطائه حقه في التقدير والتكريم.

نعم جمال حمدان مثل الذهب، كلما تقادم عليه الزمن، ازداد لمعاناً وقيمة. هو الذي دوّن بقلمه جغرافيا المدن والمدينة العربية، هو الذي تنبأ عام 1968 بأن تفكك الكتلة الشرقية واقع لا محالة، وحدث بالفعل عام 1989.

هو الذي أكد في معظم أعماله مكانة أفريقيا في السياسة المصرية، وأرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب: المصلحة الاقتصادية والأمن القومي المصري ومواجهة التسلل الإسرائيلي، أيضاً هو الذي أشار إلى الخطر الذي يمثله المحور التركي - الإيراني على قضية العروبة، هو الذي استشرف أهمية منابع النيل في إثيوبيا لمصر.

نعم صاحب مقولة: «مصر ليست أفريقية، بقدر ما أصبحت أفريقيا مصرية». يستحق الآن وغداً وبعد غدٍ كل هذا الاحتفاء. فما شهدناه وعشناه، طوال فترة انعقاد معرض القاهرة الدولي للكتاب بشأن المفكر جمال حمدان، يؤكد ويرسّخ أن «القيمة أطول من العمر».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات