أثر الخطاب السلبي على نسيج المجتمع

الكلمة سلاح ذو حدين، يمكن أن تبني أوطاناً، وتخلق إنجازاً، وتنشر خيراً وتسامحاً واستقراراً، ويمكن أن تهدم وتدمر وتضر، والخطاب الإيجابي من أهم خصائصه أن يسعى لتحقيق المصالح والمنافع للبشر، وجلب السعادة لهم، في أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، وفي علاقاتهم بالمجتمع الإنساني، فكل ما ينافي ذلك مما يجلب المفاسد والأضرار فهو خطاب سلبي، وهذه النظرة الاستشرافية، التي تدرس مآلات الأمور ونتائجها وتُمعن في عواقبها ذات أهمية كبرى، وهي تساعد صُناع الفكر على اختيار الخطاب المناسب، الذي يعزز الإيجابيات ويعالج السلبيات.

والناظر في الخطابات المتنوعة الثقافية والدينية وغيرها في الواقع المعاصر يجد نماذج كثيرة أهملت النظرة الاستشرافية، التي تعتني بالمآلات والعواقب، فأصبحت خطابات سلبية جلبت على المجتمعات الويلات والكوارث.

ومن أبرز هذه الخطابات السلبية الخطاب الثوري التحريضي، الذي تغنَّى به مثقفون وتيارات دينية سياسية وغيرها، وكان له آثار كارثية على كل المستويات، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، فقد تسبب في زعزعة استقرار المجتمعات، وخلق حروب أهلية، وإطلاق حركات إرهابية، وفتح الأبواب للتدخلات الخارجية، وأفرز أزمة لاجئين ضخمة ضجَّت بها العالم، فضلاً عن آلاف القتلى والمشردين والمنكوبين، ولا تزال الصراعات والمآسي مستمرة إلى يومنا هذا، وقد نبَّه إلى خطورة النهج الثوري التحريضي علماء وفلاسفة وسياسيون وغيرهم، ومنهم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي انتقد الثورات، وبيَّن أنها لا تُنتج أبداً إصلاحاً حقيقياً، إذْ لا يمكن التخطيط لها بعقلانية، ولا التنبؤ بنتائجها، وهي محفوفة بالمخاطر، وغالباً ما تكون عنيفة، ويكون الموقف بعدها أسوأ مما كان.

ومن الخطابات السلبية كذلك الخطاب الطائفي، الذي يعتبر أحد أبرز مهددات النسيج المجتمعي أينما وُجد، إذ هو سبب لاستعداء الناس بعضهم على بعض، وخلق الصدام بين أتباع المذاهب والأديان والعرقيات، وإضعاف روح التعايش بينهم، وتهديد مقومات الدولة الوطنية، فيعيش كل فرد في المجتمع متعصباً لطائفته، منكفئاً عليها، متحيزاً لأفرادها، باخساً حقوق الآخرين، متشبعاً بروح الانتقام والرغبة في إفناء الآخر، والبعد كل البعد عن أخلاقيات الحوار وآداب النقاش والالتزام بعدم تجاوز الخطوط الحمراء في معالجة قضايا الخلاف، ما يفتح الباب أمام المتربصين لتغذية الصدامات الطائفية، وتنمية روح التطرف في هذا الطرف أو ذاك، ودفعهم للتصارع، وفتح الأبواب لتقسيم الدول والتدخل في شؤونها، ولذلك فإن من واجب عقلاء المذاهب والأديان والعرقيات أن يرسخوا مبدأ التعايش المشترك، الذي ينزع فتيل الطائفية، ويعزز الحوار الإيجابي المبني على الحجة والبرهان، ويُعلي مبدأ المواطنة التي يجتمع فيها الكل تحت مظلة دولة واحدة، تحفظ لهم حقوقهم، وتصون حرياتهم، وتحقق لهم الأمن والازدهار.

ومن صور الخطاب السلبي التي كانت لها آثار سيئة على نسيج المجتمعات، الخطابات الدينية الإرهابية، التي غلت في الدين، وأساءت إليه، ودعت للتكفير والتفجير والعنف المسلح، حتى كفَّر الأخ أخاه، والابنُ أمَّه وأباه، واعتدى عليهم، متجرداً من آدميته وإنسانيته، وهؤلاء أنواع وأصناف، بعضهم أشد غلواً من بعض، حتى كفَّر بعضهم بعضاً، وسفك بعضهم دماء بعض، وأساءوا جميعاً للإسلام، ونفَّروا الناس منه، وأصبحوا شمَّاعة بيد من يغذون الكراهية ضد المسلمين وضد الحضارة الإسلامية.

ومن الخطابات الدينية السلبية تلك الخطابات الحزبية، التي تتقوقع في تنظيمات وأحزاب، وتتاجر بالدين لبلوغ أهدافها السياسية، وتجعل التنظيم بديلاً عن الوطن، والمرشد قائداً أعلى يُسمع له ويُطاع، تتسلق سلم الديمقراطية تارة، وسلم العلمانية تارة، وسلم الليبرالية أخرى، وتلبس أقنعة دينية وترفع شعاراتها تارات أخرى، ومن أبرز هذه التنظيمات تنظيم الإخوان، بأفرعه المتعددة وتنظيمه الدولي، فكم مزقوا من مجتمع، وتآمروا على دولة، وغرروا بشباب، حتى جعلوهم رماحاً في نحور أوطانهم.

ومن الخطابات الدينية السلبية الخطاب الاستفزازي المنفلت البعيد عن الأسس العلمية والقواعد الفقهية والمسلمات الشرعية؛ فخطورته تكمن في تهديم الأمن، وضرب نسيج المجتمع من الداخل، وخلق ردود فعلية منفلتة وخطيرة على الفرد والمجتمع، إذ لكل فعل منفلت ردة فعل منفلتة.

ولهذا فإن الواقع المعاصر يتطلب من العقلاء جميعاً أن يعززوا الخطاب الإيجابي في مجتمعاتهم، ما يحفظ الاستقرار، ويصون السلم العالمي، وينزع فتيل التعصب والطائفية والتطرف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات