فن الشارع الجميل

فنون الشارع تحتاج منا إلى إعادة نظر.

وتصنيف الفنون بحسب المفاهيم التقليدية حيث الاكتفاء بأسماء الكبار، وإغلاق الباب أمام المواليد الجدد من الفنون غير المأهولة عربياً، ووصم كل ما لا تتضمنه كتب الفن القديم بـ«القبيح» أو «الهجين» أو «الدخيل» إنما يحرمنا وأجيالنا الشابة والصغيرة من متعة التذوق ونعمة التعدد.

تعددت فنون الشارع وتحولت وتطورت وحققت شهرة وانتشاراً وجاذبية وشعبية في دول كثيرة في نصف القرن الماضي، لكنها ما زالت تتحسس طريقها، فتخطو نحو الأمام مرة، وتتقهقر إلى الوراء مرات.

فأحوال المنطقة العربية الواقعة بين شقي رحا اقتتالات داخلية وتربصات خارجية، بالإضافة لعادات وتقاليد يميل بعضها إلى رفض الحديث والتشكك من الغريب والإغراق في عشق القديم تعرقل فتح أبواب التذوق المختلف.

وما الغرافيتي إلا فن من الفنون التي تحتاج إلى توسعة براعم التذوق وفتح المجال أمام هواء الجديد والتجديد. الغرافيتي، أبرز فنون الشارع، هو فن مرئي. موطنه الأصلي الأماكن والساحات العامة.

اكتسب شهرته وجانباً من جاذبيته وإثارته – لا سيما بين الشباب – إنه يرتكز على تنفيذ الأعمال الفنية في مناطق غير مصرح فيها إلا بالأعمال الفنية التقليدية. يسميه البعض «الفن الشعبي المستقل» ويطلق عليه آخرون مسمى «ما بعد الكتابة على الجدران» أو «الكتابة الجديدة على الجدران».

وبالطبع ذاع صيت هذا النوع من الفن في مدن عربية عدى في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، وتحديداً تزامناً مع أحداث ما يسمى بـ«الربيع العربي».

وبعيداً عن من كتب ماذا، أو هل أصاب هذا في المطالبة بإسقاط ذاك من خلال الكتابات الفنية على الجدران، إلى آخر الأسئلة التي مازلنا غير قادرين على تحديد إجابات شافية لها، فإن المؤكد أن فن الغرافيتي له شعبية كبيرة بين قطاعات كثيرة في مجتمعاتنا العربية.

صحيح أن هناك من لا يستسيغه، أو يربطه ربطاً حتمياً بالفوضى أو الهرج أو الشغب، لكن هناك كذلك من نجح في ترويضه وتحويله إلى فن يخضع لقواعد التذوق.

وفي عدد من المدن الجديدة في مصر، انتشرت في الأشهر الماضية صرعة الرسم على أكشاك الكهرباء الموجودة في الشوارع، وهي الأكشاك التي ظلت مكتفية بعلامة «خطر الموت»، حيث يوجد جمجمة بشرية وعظمتان بشريتان متقاطعتان على أسطحها لعقود طويلة.

عدد من الفنانين والفنانات الشباب تمكن من تحويل ما كان قبحاً وجموداً إلى جمال من نوع خاص وفن من طراز مختلف. ألوان زاهية وخطوط شبابية تحمل نكهة الغرافيتي المميزة استرعت انتباه الجميع، حيث حازت إعجاب الغالبية المطلقة.

ومن القاهرة إلى دبي حيث يقيم فنان الـ«كاليغرافيتي» أو الخط المختلط بالغرافيتي التونسي الفرنسي إل سيد، وهو ما يعني أن دبي كعادتها أيقنت مبكراً أن الفن كائن حي، يتطور وينمو ويتخذ أشكالاً مختلفة، وإن حبسناه وقيدنا حركته، مات موتاً بطيئاً. وإن زودناه بالرعاية والدعم، أخرج لنا أعمالاً إبداعية رائعة.

إل سيد – الذي استخدم فنه ومهارته وموهبته في الرسم على الجدران كوسيلة للتعبير السياسي إبان الأحداث في تونس في عام 2011، وجد مجالاً بالغ السعة والرحابة لنشر إبداعاته. مزج الخط العربي بالرسوم على الجدران. قال في حديث تلفزيوني قبل أيام: «عندما ترسم في الشارع، فإنك تترك شيئاً للناس. أنت تخلق للناس وللمجتمع».

ولأن الغرافيتي أصوله ثورية وروحه ثائرة، فإنه يثور على المفهوم الكلاسيكي الذي يحبس فيه فنانون أنفسهم، حيث التأمل والوحدة عنصري الإلهام الوحيدين للفنان. أما هو فيجد إلهامه رابضاً في النقيض الآخر. إلهام إل سيد مستمد من تفاعله مع الشارع ومجرياته وتفاصيله. إنه اسم على مسمى إذن، فن من فنون الشارع وتعبير يمزج الواقع بخيال الفن الجميل.

لم يعد الفن الجميل حبيس الغاليري الفاخر. ولم يعد متذوقوه يقتصرون على فئات محدودة قادرة على دراسة أصوله، أو اقتناء فنونه.

وفتح الأبواب العربية الموصدة أمامه مثل هذه الفنون «الشعبية» شكلاً وموضوعاً وإلهاماً من شأنه أن يجذب المزيد من الشباب الهارب إلى أحضان ثقافات غير عربية يجدها أرحب وأشمل وأنسب لفكره.

من نيويورك إلى أونتاريو، ومنهما إلى ريو دي جانيرو وجربة والقيروان تقف جدران عدة شاهداً على روعة فنون الشارع التي أنجزها إل سيد. إنها روعة الفن حين يخرج من زنزانته الفارهة إلى رحابة الشارع.

طباعة Email