الثقافة القانونية بين الإيجاب والسلب

لا غنى للمجتمعات الإنسانية عن توفير ما يضمن سعادتها وسلامتها والتعايش المشترك بين أفرادها.

ولذلك جاءت القوانين كجزء من هذه المنظومة الكبيرة التي تحتاجها البشرية لتنظيم شؤونها ومنع الاعتداء والتفريط في حقوق الأفراد أو المجتمعات.

وبخلو المجتمعات من القانون تحلُّ فيها شريعة الغاب، ولا يصبح هناك أي مجال لمحاسبة المسيء أو ردعه.

ولذلك تقاس الشعوب المتحضرة بمدى احترامها للمبادئ والقيم التي تراعي الحقوق وتصون الحريات وتحقق الخير والعدالة للجميع، ولذلك قال العلماء قديماً: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

إن للقانون – كما يذكر المتخصصون - وظيفتين أساسيتين، الأولى حماية الحريات للأفراد، وصيانة حقوقهم ومصالحهم الشخصية، والثانية حفظ كيان المجتمع وأمنه واستقراره وكفالة تقدمه، حتى لا تطغى مصلحة الأفراد على مصلحة المجتمع.

وفي ضوء ذلك فإن القانون هو لبنة من لبنات صرح التعايش والتطور، ووسيلة ضرورية من وسائل حماية مصالح الأفراد والمجتمعات.

وهو جزء من منظومة الرقي وليس كلها، ومن هنا بيَّن العلماء والحكماء والمربون والساسة أن القانون وحده لا ينهض بالمجتمعات دون قواعد أخلاقية ومبادئ إنسانية ومحفزات للتسامح والتطور والنهضة.

ولذلك يقول المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون: «إن مستوى الأمة الخُلُقي هو الذي يعيِّن مكانها في سلم الحضارة كما يعيّن قوتها، فإذا ما انحلت أخلاقها انحلَّت عرا بنائها الاجتماعي».

فالقانون والأخلاق قرينان متلازمان لا ينفكان في صلاح الأفراد والأسر والمجتمعات، ولكل منهما مساحته ومجاله، غير أن مساحة الأخلاق أوسع وأرحب، ويتضح ذلك من خلال طريقة معالجة الأفراد للتفاعلات الاجتماعية بينهم وبين الآخرين.

فإذا كان للقانون مساحته في فض النزاعات فإن للأخلاق مساحة كبرى في التسامح واحتواء المشكلات ومعالجتها وتقريب وجهات النظر بعيداً عن المحاكم والتقاضي.

فإذا كان القانون يجيز للفرد أن يقاضي جاره بل يقاضي زوجه أو زوجته وابنه وابنته وأخاه وأخته في أي مشكلة تقع تحت طائلة القانون فإن الأخلاق يحتم على الإنسان أن يتبع مساراً آخر ما أمكن.

وهو معالجة المشكلات بحكمة وروية، وخاصة مع من تربطه بهم علاقات قرابة ونسب وجيرة، فلا يلجأ إلى المحاكم إلا إذا استدعى الأمر ذلك.

ووجدت ضرورة ملحة له، فالمحاكم هي آخر الحلول وليس أولها، وهذه هي الثقافة الإيجابية في تعامل الفرد مع القانون، حماية للأسر والعلاقات والصداقات والروابط الاجتماعية، واستدامة للمودة والوئام والتسامح.

وإيماناً من دولة الإمارات بهذا الأمر وقناعة بأهميته فقد اعتنت عناية كبرى بترسيخ ثقافة الحلول الحكيمة واحتواء المشكلات وعلاجها في شتى المجالات وإيجاد الحلول البديلة عن القضاء ما أمكن،.

ومن صور ذلك أنها أنشأت أقساماً خاصة للإصلاح والتوجيه الأسري في المحاكم في سائر إمارات الدولة، ويتكون كل قسم من لجنة أو أكثر، وتسعى هذه الأقسام لحل المنازعات الأسرية والخلافات العائلية بطريقة ودية، حماية لكيان الأسرة واستقرارها.

والعمل على تقليل نسبة الطلاق، ونشر الوعي بثقافة حل الخلافات الأسرية وديًّا، وقد ساهمت هذه اللجان بإنقاذ الكثير من الأسر من الطلاق والتفكك، وإعادة الود إلى القلوب، وفض النزاعات الأسرية بحكمة وعقلانية.

كما خصصت دولة الإمارات «الشرطة المجتمعية» لحل المشكلات بعيدًا عن المحاكم، وقد ساهمت جهود الشرطة المجتمعية في علاج آلاف المشكلات الطارئة بين مختلف أفراد المجتمع، والحيلولة دون وصولها إلى جهات التحقيق أو المحاكم، ونجحت في حلها وديًّا مع أطراف المشكلات عبر الحوار وتقريب وجهات النظر.

كما أطلقت دولة الإمارات العديد من المبادرات لتعزيز التسامح في المجتمع، وخصصت عام 2019 عاماً للتسامح، وفي هذا العام أطلقت المحاكم وغيرها مبادرات لترسيخ ثقافة التعايش والتسامح بين أفراد المجتمع، وتشجيع التسويات والصلح في مختلف المجالات.

كالإصلاح الأسري، وتسويات التركات، والتسويات في القضايا العمالية، والتسويات المدنية، وغيرها، واعتنت بتقديم الطرق البديلة عن التقاضي.

وقد نحت هذا المنحى دول عدة في العالم لأهميته الكبيرة، ومنها على سبيل المثال هولندا، التي تعتبر أقل الدول الأوروبية انخفاضاً في معدل التقاضي.

وتحتل المرتبة الأدنى في عدد المحامين والقضاة ومجموعات القضايا المدنية، في الوقت الذي تعاني فيه جارتها ألمانيا من ارتفاع كبير في معدل التقاضي.

ومن الأسباب التي مكنت هولندا من تحقيق هذا الإنجاز قيامها بالعديد من التطويرات المؤسسية لتجنب التقاضي، وإتاحة طرق بديلة لمتابعة الحقوق بدلاً من اللجوء إلى المحاكم، بينما يميل التقليد الألماني إلى جذب النزاعات إلى المحاكم بالاستغناء عن الخدمات القانونية البديلة، والاعتماد على المحاكم فقط لحل النزاعات.

وإن ما يميز دولة الإمارات في هذا الباب ما تتمتع به من ثقافة التسامح التي تنبع من جذورها الأصيلة، من دينها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها، القائمة على الرقي بالأخلاق في معاملة الآخرين.

واحترام حقوقهم، وكف الأذى عنهم، وتكريس الوازع الأخلاقي والديني الذي يحول دون التجني على الغير.

وتغليب العفو والمسامحة وحل المشكلات بالطرق الودية، وهي الثقافة التي ورَّثها الأجداد الذين غرسوا هذه المعاني في القلوب، فاتسعت رقعة التسامح والمحبة والإخاء بينهم.

Ⅶ مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات