العلاقات الخليجية الموزمبيقية «نقطة حوار»

بعض المسائل لا تؤخذ بالأبيض والأسود ولا تؤتي بنسيان الظلال بين اللونين حتى وإن بدت الظلال محيّرة أحياناً ومرهقة.

في مؤتمر تنمية أفريقيا الجنوبية الذي شاركت فيه بورقة علمية حملت عنوان «العلاقات الخليجية الموزمبيقية» قال لي أحد المنتسبين للحزب الحاكم الفريليمو «السلاح الذي وصلنا من طرف دولي أقل مما طلبنا، ولكنه أفضل من طرف دولي أعطى الرينامو كل ما طلبته».

ازدحم بريدي الإلكتروني بكمية من الرسائل تطالبني بالإجابة عن التساؤلات التي طرحتها في المقال السابق الذي حمل عنوان «الانتخابات الموزمبيقية، قراءة إماراتية»، والذي تناولت فيه أهم المحطات السياسية في حياة الحزب الحاكم في موزمبيق (الفريليمو) الذي تأسس عام 1962 وما زال يحكم البلاد حتى اليوم.

وكنت أقصد من المقال السابق هو تعريف القارئ الخليجي على موزمبيق كدولة وفهم حقيقة الصراع بين أجنحة السلطة فيها وكيف ساهمت دول الجوار في دعم المقاومة الوطنية (الرينامو)، حتى أصل بعد ذلك إلى تأثير كل ذلك على المصالح الخليجية في موزمبيق.

نجحت دول الخليج في دعم قطاع التعليم العالي في موزمبيق، وذلك بدعم صندوق موزمبيق الذي يحمل شعار «التعليم لا يتوقف»، وشيّدت المعاهد العلمية في مختلف التخصصات وربطتها بشبكة إلكترونية وخدمات استشارية، ويعد ذاك الدعم جزءاً من استراتيجية الأمم المتحدة لشباب 2030.

وانطلاقاً من حرص دول الخليج على قضية الأمن الغذائي تم الاستثمار في القطاع الزراعي، خاصة أن موزمبيق تمتاز بظروف مناخية وفرت لها فرصة مضمونة لشتى المحاصيل الزراعية، ومن الجدير بالذكر أن هناك شركات موزمبيقية تعمل في عدد من العواصم الخليجية تقابلها شركات خليجية وجدت في أغلب المقاطعات الموزمبيقية.

الأمر الذي عزز تضاعف الفرص الاستثمارية الخليجية، وعززت دول الخليج تواجدها في موزمبيق بتوقيع اتفاقيات خدمات النقل الجوي، والتي تصب في مصلحة النمو التجاري والاستثماري، وتنمية الشركات في مختلف القطاعات، كما نجحت دول الخليج في الحصول على حصص تشغيلية في مناطق تنقيب بحري في موزمبيق.

وجاء التوجه الخليجي موفقاً بسبب خطة موزمبيق لأحد أكبر مشاريعها في قطاع الغاز الطبيعي المسال، والذي حقق أرباحاً دفع عجلة التنمية الموزمبيقية، وساهم في تخفيف الديون، ويرى الخبراء أن الغاز الطبيعي هو الوقود الرئيسي للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، مع تزايد المخاوف بشأن تغير المناخ والاحتباس الحراري، وأسست دول الخليج شبكات للكهرباء في المناطق النائية كإقليم نياسا.

وفي عام 2015 نجحت دول الخليج بتطوير مشروع صناعي زراعي بهدف إنتاج الإيثانول، وتدشين وحدات لتحويل الفحم إلى وقود سائل بتكلفة 13 مليار دولار، وفي 2017 قامت إحدى الشركات الخليجية الرائدة في الخدمات اللوجستية بالتعاون مع شركات موزمبيقية في البدء بتأسيس مشروعات مشتركة.

ووقعت جزءاً من شركات الطاقة الخليجية على مشروع لتوليد الطاقة من الفحم بقدرة 300 ميجاوات، ويعد هذا أول مشروع واسع النطاق لتوليد الكهرباء في موزمبيق، كما أنه مشروع ذو قيمة اقتصادية واجتماعية، فهو ضاعف فرص العمل في برامج التنمية الشاملة.

وعزز مكانة شركات الطاقة الخليجية كمطور طاقة سريع التوسع في جنوب القارة الأفريقية، وتتعاون العواصم الخليجية مع مابوتو في نقل المواد الهيدروكربونية.

حيث تستفيد موزمبيق من خبرة دول الخليج في هذا المجال، كما يتعاون الطرفان (الخليجي - الموزمبيقي) في استضافة التدريب على الأمن البحري، مثل الذي أقيم في المملكة العربية السعودية عام 2016.

أضف إلى ذلك أن بعض الصناديق السيادية الخليجية نجحت بالتعاون والاستثمار مع شركات عالمية مثل شركة كنمار الإيرلندية لاكتشاف ودائع المعادن مثل الألمنيت والروتيل في منطقة نامبولا الموزمبيقية.

وأكدت دول الخليج أن الاستثمارات الخليجية في موزمبيق تمثل فرصه للانتشار في السوق الأفريقية، ومن الجدير بالذكر أن بعض دول الخليج ظهرت مشاريعها في موزمبيق أول مرة عام 1982 واستمرت حتى اليوم.

تبدو المصالح الخليجية في موزمبيق متنوعة وفي حالة تضاعف، ويرجع السبب في ذلك إلى بروز مابوتو كواجهة استثمار لكبرى الشركات العالمية، وحرصاً منا على الحفاظ على المصالح الخليجية وتفادياً لما لا يحمد عُقباه مُستقبلاً، أرى أن تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على الاستفادة من بعضها البعض في موزمبيق.

وفي العواصم الأفريقية الأخرى، تمهيداً لاقتناص فرصة حقيقية لإرساء استراتيجية خليجية أفريقية يستفيد منها الطرفان، ولعل وعسى أن يكون ذلك سبيلاً للمُضي قدماً نحو التكامل الخليجي الذي نتوق إليه كمواطنين خليجيين، فالواقع السياسي في مابوتو خصوصاً .

وفي أفريقيا عموماً يؤكد أن وجود المصالح الخليجية في تكتل خليجي جماعي سيعززها بشكل يفوق وجودها منفردة، ناهيك عن تعزيز الخبرة السياسية الخليجية لحقيقة الميدان الأفريقي وكيفية إدارته والتي ما زال يفتقر إليها الذهن السياسي الخليجي حتى الآن.

Ⅶ باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي

Ⅶ د. أمينة العريمي *

طباعة Email