اتفاقية «تأزيم» الحدود

جرفته أمواج شرق المتوسط، فجلس على شواطئ هوس الخلافة يتوهم أن غرب ليبيا على ذمة التاريخ العثماني.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فشل في سوريا، ومن ثم خسر طهران وحلفائها، وظن أن مشروعه الجديد سينتقل إلى شمال أفريقيا.

لم يدرك أن قواعد لعبة الكرملين في شمال شرق سوريا ليست هي نفسها قواعد لعبة بوتين - رجل الكي. جي. بي الذكي - في غرب ليبيا.

لم يع الدرس جيداً بأن حسابات أوروبا في ليبيا الآن لا تقبل أن تكون أنقرة طرفاً فيها، إذ إن التاريخ في هذه اللحظات يصبح مرجعية التحرك وتحديد الأهداف.

الأوروبيون لهم ميراث وتجارب ودروس تاريخية في ليبيا، ولم تعد لديهم رفاهية تكرار الأخطاء، والموقف الأمريكي يكشفه الدهاء الماكر داخل البيت الأبيض الذي يرى أن التوقيت مناسب لمزيد من غرق أردوغان الواهم والمهووس بالخلافة.

بذل «العثمانلي» جهداً كبيراً في استفزاز تحالف شرق المتوسط، مصر واليونان وقبرص وإيطاليا فخسر الموقف الأوروبي والأمريكي، فمذكرة التفاهم التي وقعت بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني يوم 19 ديسمبر تنص على تزويد هذه الحكومة بالأسلحة والأفراد والقوات العسكرية.

واتفاقية ترسيم الحدود التي وقعت في 28 نوفمبر هدفها الاستحواذ على مساحات شاسعة من المياه الليبية التي تضم كميات هائلة من النفط والغاز رغم عدم وجود حدود بحرية مشتركة بين الدولتين، فهاتان الاتفاقيتان غير قانونيتين، وضد المواثيق والقوانين الدولية، بينما إصرار أردوغان على اعتبارهما واقعاً يتعامل به، يأتي بمثابة استدراك لمحاولات الفشل المتكررة للرئيس التركي،.

هذا فضلاً عن أنه يراهن بأن يكون لتركيا موطئ قدم في الغرب الليبي، ودول شمال أفريقيا، وربما لا تخلو حساباته من تحقيق مكاسب اقتصادية عبر الموانئ التي تسيطر عليها ما تسمى بحكومة الوفاق الوطني، أيضاً يظن أردوغان أنه بهذه السياسة يمكن أن يكون له نفوذ داخل المتوسط.

بالإضافة إلى أن خطته الرئيسية هي تمكين الميليشيات المسلحة، والجماعات الإرهابية من التوغل في الغرب الليبي، ومن ثم زعزعة الاستقرار، وفي حالة نجاحه في هذا المخطط يفكر في السيناريو الجديد لتوسيع نفوذه في منطقة المغرب العربي.

من ناحية أخرى فهو يحاول شد الانتباه عن الفشل في الداخل التركي، إلى قضية أخرى خارج البلاد يتم تسويقها على أنها تصب في مصلحة شعبه، وهذا يجافي الحقيقة تماماً وفقاً لأحدث ما ذكرته المعارضة التركية التي رأت أن ما يفعله العدالة والتنمية الآن يهز الاقتصاد التركي، ويقوده إلى مراحل انهيار ربما تتسارع وتيرتها فجأة.

وسط إصرار وعناد أردوغان على المضي قدماً في سياسته الظلامية والتدخل في شؤون الآخرين والاعتداء على القوانين والمواثيق الدولية، علينا التوقف أمام رسائل عدة، في مقدمتها:

* إن التاريخ يشهد على أن الذي أعطى الامتيازات لأوروبا في العالم العربي هي الدولة العثمانية، وأن المنطقة لا تزال تسدد فواتير ذلك حتى الآن، وبالتالي على أردوغان العودة إلى ذاكرة أجداده ليعرف حجم التخريب الذي أحدثوه في خريطة العالم العربي.

* مطلوب تحرك المجتمع الدولي بشكل سريع لاحترام السيادة وحقوق الدول

* عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لإعلان سقوط الشرعية الدولية لحكومة الوفاق، والتأكيد على أن البرلمان الليبي هو الكيان الشرعي الوحيد الذي يتم التعامل معه.

* على رئيس حكومة الوفاق الوطني فائق السراج، أن يدرك أن ما يعتقده مكاسب في تحالفه مع أردوغان، إنما هو خسارة محققة، فالأمن القومي العربي والأفريقي يتطلب حماية لن تسمح بأن يكون الغرب الليبي مسرحاً للميليشيات والجماعات الإرهابية، هذا فضلاً عن أن شرق المتوسط سيبتلع كل من يحاول الاقتراب والعبث بحقوق وسيادة دول المنطقة.

Ⅶ رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

 

طباعة Email