ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين

كان المفكر السياسي الراحل لطفي الخولي يكرر دائماً في أحاديثه أن الوحيد الذي لا يتعلم من تجارب التاريخ وأخطائه هو الحمار. ومع أن التشبيه كان يغضبني، لمحبتي الغامرة للحمار الذي أبجّل ما يسديه هذا الحيوان الوديع من خدمات جليلة للبشر.

وما يحمله من صفات تتسم بالهدوء والحكمة والصبر على شرور الناس، ومعاملتهم القاسية والفظة والغليظة وغير الرحيمة في كثير من الأحيان له، إلا أن المقولة تبقى صحيحة، أن الذين لا يتعلمون من أخطائهم وأخطاء غيرهم، محكوم عليهم بالضرورة بتكراراها. وهو الأمر الذي تفعله بالضبط الآن جماعة الإخوان من قلب الحاضنة الأوروبية والأمريكية والتركية التي لا تزال تحمي نشاطها.

وتدعم الإمبراطورية الإعلامية التي تمتلكها، وهي تجمع بين صحف ورقية ومنصات فضائية ومواقع إلكترونية ومراكز أبحاث تُغدق عليها أموالاً طائلة للتحكم في نتائجها حسب الطلب وبقدر الإغداق المالي السخي عليها، لكي تسوق عبر تلال من الأكاذيب أوهام السلطان العثماني من جهة، وتستخدم من جانب آخر لتمرير المصالح الغربية والأمريكية في الإقليم والمنطقة من جهة ثانية.

كان حسن البنا هو الذي وصف اثنين من جماعته، بأنهما ليسا إخواناً وليسا مسلمين، بعد أن نفذا أمراً أصدره لهما باغتيال القاضي أحمد الخزندار في مارس عام 1948. وكان المستشار الخزندار قد اتهم عدداً من المنتمين إلي الجماعة فيما ما كان يعرف آنذاك بقضية «تفجيرات سينما مترو».

وفي تحقيقات النيابة في القضية أنكر حسن البنا معرفته بالشخصين، ثم عدل عن ذلك الإنكار المخزي لأن بينهما سكرتيره الخاص، واكتفى بنفي علمه بنيتهما في اغتيال الخزندار، وهو المبدأ الذي سارت عليه الجماعة منذئذ: ممارسة الإرهاب ضد الخصوم السياسيين، ثم الكذب والإنكار والتنصل من ممارسته وإلصاق التهم بغيرهم.

في التجربة المصرية، قامت الجماعة بعد إقصاء الشعب لها عن السلطة في 30 يونيو، بأوسع عملية إرهاب في تاريخها، شملت تدمير وحرق كنائس ومساجد ومقار للجيش والشرطة وللمؤسسات الحكومية وللجامعات والبنوك وإسقاط للطائرات وتحويل سيناء إلى مخزن للأسلحة القادمة من ليبيا، وموطن للإرهابيين وقتل ممنهج لعناصر القوى الأمنية.

وبدلاً من أن تتعظ الجماعة من أن إرهابها قد وحد الشعب المصري ضد جرائمها، راح إعلامها الذي يفتقد أي معايير مهنية وأي قيم أخلاقية يتهم النظام بارتكاب تلك الجرائم، لأنه حين يتصدى لجرائمهم فهو يحارب كما يزعمون الإسلام على أساس أنهم هم وحدهم حماته، وليسوا المتاجرين به !

أخر معارك إعلام الجماعة الفاشل برغم فخامته، تحذيراته للجيش المصري، من أية مواجهة مع الدعم العسكري التركي لميليشيات حكومة السراج في طرابلس، في أعقاب مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة الوفاق الإخوانية مع الرئيس التركي، وهي شبيهة باتفاقية عسكرية تزعم الدفاع عن الحكومة المعترف بها دولياً، برغم عدم تنفيذها لحرف واحد من اتفاق الصخيرات التي أقيمت على أساسه.

جاء الدعم التركي للسراج الذي ينطوي وفقاً لمذكرة التفاهم غير معترف بها لا دولياً ولا من قبل البرلمان الليبي، على تعاون عسكري غير مسبوق، بعد الانتصارات التي حققها الجيش الوطني الليبي على الميليشيات الإرهابية التي تؤويها حكومته في العاصمة الليبية طرابلس.

وليس سراً أن الهدف التركي الأصلي من ذلك الدعم لمن ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين هو الحصول على غاز البحر المتوسط، من الشواطئ الليبية التي كانت في السابق جزءاً من السلطنة العثمانية، ولا يكف الرئيس التركي عن أحلام اليقظة باستعادتها.

فضلاً عن الهروب إلي الخارج من مشاكله الداخلية المتفاقمة، على المستويين السياسي والاقتصادي، ومناوئة مصر بدعم جماعة إرهابية علي حدودها الشرقية، ولتصفية الحسابات مع القيادة المصرية التي دعمت النزوع الشعبي لإسقاط نظام جماعة الإخوان، مما عجل بسقوطه أيضاً في السودان، وزعزع نفوذه في تونس.

تظل الحقيقة التي بدأت بها المقال صحيحة، من لا يتعلم من تجارب التاريخ الفاشلة يكرر فشلها. وتلك الحقيقة تقول إن ظاهرة الإسلام السياسي في منطقتنا تفشل وتترنح، ولا مكان لأنظمة في بلادنا ترفع باسمها رايات دينية، وهم «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».

وتأملوا ما آل إليه حالها في كل من العراق ولبنان التي لا ينتفض الشعبان في كلا البلدين إلا ضدها ورفضاً لنتائجها الكارثية التي قادت إلى تحطيم الدولة الوطنية. ولا يضاهي الفشل الذي مني به المسعى التركي في جعل مؤتمر كوالالمبور بديلاً لمنظمة التعاون الإسلامي سواه.

وتغدو أحلام يقظة المساعي التركية الرامية لتفكيك المنظمات الإقليمية لتقلد زعامة العالم الإسلامي بتشكيلات مصطنعة يحول دون تحقيقها المكانة الدينية الرفيعة التي تحظى بها المملكة العربية السعودية في أنحاء العالم.

نعم، كانوا وسيظلون «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».

Ⅶ رئيسة تحرير صحيفة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email