وثبة نصف قرن

عندما كان المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، يخوضان معارك تأسيس الاتحاد عام 1970، كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يبلغ من العمر 21 عاماً، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد يبلغ من العمر 9 أعوام. ما بين تجربة الآباء المؤسسين وتجربة الأبناء تختلف الظروف والمتغيرات والتحديات، لكن التجربتين تلتقيان عند هوية بناء الدولة ومرتكزاتها، فالهدف واحد وإن تغيرت الآليات، وهو الوثوب الدائم بدولة الإمارات العربية المتحدة إلى الأمام.

والآن ونحن على بعد أمتار من مضي نصف قرن على تأسيس الاتحاد، تصبح للتاريخ كلمته وشهادته.

جيل الأبناء عند حسن ثقة الآباء، صورة الأبناء.. طبق الأصل من الآباء، والاتحاد يواصل قهر المستحيل ببصمات قادة مجددين يؤمنون بالتحديث.

الواقف على الجانب الآخر من نهر هذه الدولة، يتأمل نقطة انطلاق «الحلم» يتأكد له أن قصة الاتحاد تحتاج إلى أعلى التقنيات الفنية لنقل مشاهدها التي لاتزال حية متدفقة، وأيضاً المتأمل لايزال ينتظر عتاة المؤرخين في العالم لإعادة كتابة هذه الرحلة بعد مرور نصف قرن على وقائعها، إنه الحلم الهادر في بحور الإرادة والعزيمة والصبر.

نحن الآن أمام فارسين يستكملان المسيرة على صهيل جياد التسامح والأخوة والمواطنة، فارسين يربطهما ناظم الوطنية، وبناء الدولة الحديثة، يسيران بخطى مدروسة واستراتيجيات عميقة، ونظرة مستقبلية ثاقبة، تعلما الدرس مبكراً من الآباء، فصارت لهما فلسفتها الخاصة في الإدارة والحكم، لتصبح دولتهما نموذجاً يلتف حوله العالم في إكسبو 2020.

«نصف قرن» عنوان - يكتمل بعد عام - على تحقيق المشروع الحلم الذي غيّر وجه الخليج وربما وجه المنطقة.

يوم الثاني من ديسمبر عام 2021، سيتوقف التاريخ أمام تدشين مرحلة جديدة من عمر دولة الإمارات العربية المتحدة، ليكتب وثيقة جديدة بتوقيع الأبناء المؤسسين لخمسين عاماً مقبلة.

هي معركة مع المستحيل، وانحياز كامل للمستقبل، بروح وحكمة الحكيم زايد الخير.

الاستعداد لهذا اليوبيل الذهبي يُعيد لنا الروح القتالية نفسها التي عاشها فريق المؤسسين، وهم يبنون الأمجاد وينعشون ذاكرة الأجيال الجديدة، وهو أيضاً عرفان بالجميل لحجم الدور البطولي الوطني للآباء المؤسسين.

بقدر ما تحمله هذه المناسبة من مفاخر وازدهار، بقدر ما تحمله العقود الخمسة المقبلة من مسؤولية تتطلب من المواطن الإماراتي ضرورة التكاتف والمثابرة والالتفاف حول قادته لمواصلة المسيرة.

إن المسؤولية الحقيقية لليوبيل الذهبي تبدأ مشقاتها ومتاعبها بعد الانتهاء من أجواء الاحتفالات والمهرجانات، فالذي يتبقى هو تحقيق المزيد من القفزات في الاقتصاد والتعليم والثقافة والبنية التحتية وبناء عقل الإنسان، فالحدث بطبيعته يفرض رفع سقف التوقعات أمام المواطن وأمام العالم.

كل مؤشرات الواقع تقول إن الفارسين محمد بن راشد ومحمد بن زايد قادران على العبور بالدولة إلى ضفاف العالمية، وأنهما اعتبرا أن اليوبيل الذهبي هو عام الانطلاقة الكبرى، وأنه مثلما صمم فريق الآباء المؤسسين الخمسين عاماً الماضية، فإنهما يريدان تصميم الخمسين عاماً المقبلة من خلال وضع تصور كامل للخطة التنموية الشاملة، وتطوير جميع القطاعات الأساسية وترسيخ البصمة العالمية للدولة.

اللافت للنظر أن روح التكامل والاستعدادات لهذا اليوبيل الذهبي تؤكد مفهوم التحدي وقهر المستحيل الذي يتبعه قادة الدولة، فتاريخ المستقبل سوف يكتب أن قادة الإمارات الآباء والأبناء هم فرسان حققوا وثبات غير مسبوقة، تزداد قيمتها وبريقها كلما تقادم عليها الزمن.

فدائماً في عمر الأوطان توجد شخصيات تقرأ التاريخ، وشخصيات أخرى تصنع التاريخ، ومن يقرأ ظروف تأسيس الاتحاد يتأكد له أن الآباء المؤسسين لدولة الإمارات هم صانعو التاريخ المشرّف الذي يدعو للفخر والعزة أمام المستقبل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات