التعاطف الحقيقي مع الحراك الجزائري

انطوى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الجزائري المنتخب، عبد المجيد تبون، فور إعلان فوزه بالرئاسة على قدر لا يجب الاستهانة به من الروح التصالحية، واشتمل إلى حد بعيد، على رغبة بدت مفعمة بالصدق للم الشمل، وطمأنة الداخل والخارج وإحداث التوازن بين مطالب الشارع، الذي تجاوز حراكه الشعبي عشرة أشهر، وبين ضرورات الاستقرار الذي من دونه تبقى الأوضاع كما هي، معلقة في رحم المجهول، وتغدو الرغبات والوعود مجرد كلمات عاجزة عن التحقق والتنفيذ، وتدخل الجزائر في نفق لا حدود لفوضاه، ولا أفق واضحاً لاحتمالات استقراره.

وفي خطابه القصير وفي رده على أسئلة الصحافيين، تعهد الرئيس الجزائري بطي صفحة الماضي وإعادة بناء دولة الجزائر من جديد، التي أفشلتها - كما يعرف الجميع - عقود من الفساد والجمود السياسي ونهب الثروات والعجز عن قيادة مشاريع للتنمية المستدامة، في بلد يحظى بثروات نفطية ومعدنية طائلة، بددها فساد إداري وسياسي لا ضمير له.

مد "تبون" يده إلى الحراك الشعبي حين اعترف بعدالة مطالبه ومشروعيتها ومساندته لها، ودعوته لبدء حوار جاد ومثمر لتنفيذ تلك المطالب، متعهداً بأن تتأسس سياسته في إدارة شؤون البلاد على الحوار دون إقصاء لأي طرف أو تسييد لسياسة الانتقام أو التساهل مع الفساد والمفسدين، وعلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين. ولم يكن توجيه الرئيس الجديد التحية للجيش الجزائري وقادته للدور المهم الذي قام به في حماية أمن البلاد، بالشيء العارض أو من قبيل الصدفة، لكنه رسالة لمن باتوا يوجهون سهام غضبهم وسط الحراك، نحو الجيش وقيادته، لتذكيرهم بحقائق الوضع الجزائري، حيث قاد مقاتلو جبهة التحرير الوطني النضال في الحرب ضد الاستعمار الفرنسي، ثم شكلوا فيما بعد الجيش الوطني الذي كان الطرف الرئيسي في حكم البلاد منذ استقلالها في الخامس من يوليو 1962.

ستة وخمسون عاماً من دور مهيمن للجيش في الحياة السياسية الجزائرية، كان له ما له وعليه ما عليه، لكن المؤكد أنه نجح في حماية الدولة من حالات تمزق وانقسام، ولولا دوره الحاسم، ما كان يمكن للجزائر التخلص من العشرية السوداء، التي بدأت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية حرباً لمعاقبة البلاد بإشاعة الفوضى والقتل والخراب في مختلف المدن الجزائرية وملاحقة القوى الأمنية والكتاب والمبدعين ممن يرفضون حكماً دينياً لبلادهم، بعدما تصدى الجيش لمنعها من حكم البلاد.

يخطئ المشاركون في الحراك الشعبي، إذا لم يبادروا برد إيجابي على مشروع المصالحة المعروض عليهم من رئاسة الجمهورية، ويخسرون إذا ما ظل شعارهم هو كل شيء أو لا شيء، لأنه شعار يتجاهل أن عشرة ملايين مواطن ذهبوا للانتخاب أملاً في عودة الحياة لوضعها الطبيعي، رغم دعوات المقاطعة التي قادتها الأحزاب التي ترفع رايات دينية، كحركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية!

ويخطئ الحراك الشعبي إذا لم يسرع بتشكيل قيادة تمثله للتفاوض حول مطالبه مع الرئاسة الجديدة، إذ إن ترك الأمور تسير وفقاً لنظرية كل شيء أولا شيء، مغامرة غير مضمونة النتائج، تضعف الحراك وتفض من حوله، وقد تجرفه نحو مسارات فوضوية قد لا يرضى عنها، بفعل عدم التجانس بين القوى المشاركة فيه، وبينهم من يسعى لإطالة أمد الأزمة مثل أنصار فرنسا في الجزائر، وأعضاء جبهة الإنقاذ الذين يتخذون من الجيش وقائده هدفاً يومياً لهجومهم، فضلاً عن قوى فوضوية لا تنتعش سوى في أجواء الأزمات!

وتخطئ القوى الشعبية العربية، وبينها كتاب وصحافيون ومعلقون سياسيون في وسائل الإعلام العربية والغربية، التي تتعاطف مع الحراك الشعبي الجزائري، وتشجعه على مواصلة البقاء في الشوارع والميادين حتى تتحقق كل مطالبه. إذ إن التضامن الحقيقي مع الجزائر وحراكها الشعبي، يكون بتشجيع هذا الحراك على الحوار مع الرئاسة المنتخبة لتحقيق مطالبه، واعتبار المرحلة الرئاسية الجديدة فترة انتقالية يسن فيها دستور جديد، كما وعد الرئيس المنتخب، يقر بدور الجيش الوطني في صيانة حدود وأمن البلاد، ويلتزم بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية الحزبية وبقانون انتخابي يصون ذلك التعدد، وتجري بموجبه انتخابات برلمانية تتسم بالنزاهة والشفافية، وتعد خطط تنموية لبناء اقتصاد وطني يكفل الحماية الاجتماعية لكل الشعب الجزائري، ويستوعب الأيدي العاطلة عن العمل ويقر بدور محوري للدولة في إدارة ثرواتها ومؤسساتها العامة الحيوية.

ذلك هو التضامن الحقيقي مع الحراك الشعبي الجزائري إذ إن بديله هو لا سمح الله، حرب أهلية أخرى، لم نبرأ بعد من المآسي التي تجلبها لنا كل يوم من اندلاعها في ليبيا وسوريا والعراق!

 

ـــ رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات