مواجهة الإرهاب بالتي كانت هي الداء

الإرهاب لا يموت بضربة قاضية، ولا يهلك في ساحات المعارك وحلبات القتال. لكنه يضعف ويتقزم وينزوي بعيداً أمام المواجهات الفكرية الثاقبة، والتحالفات الإقليمية والدولية الصارمة، وبالطبع أمام التقاء الرؤى وتشابه المصالح وتطابق المستقبل. مستقبل المنطقة العربية على صفيح ساخن.

وسيظل الصفيح ساخناً لسنوات لا أحد يعلم عددها. وعلامات السخونة التي تصل درجة الغليان لا تخطئها عين. وأمارات الخطورة التي لم تعد تكتفي بإطلالات تلفزيونية عبر نشرة أخبار أو متابعات عنكبوتية بتتبع ما يحدث في العالم، لكنها ظاهرة واضحة على أبواب البعض وعلى مرمى حجر من البعض الآخر.

آخر ما كان يمكن أن يطرأ على البال حتى عقود قليلة مضت أن ينقسم العالم العربي على نفسه هذا الانقسام العجيب. قد تحدث خصامات هنا أو تطرأ مشكلات هناك، لكن أن يقرر البعض أن مصلحته تقبع في القضاء على الآخرين، أو التحالف مع الأعداء والأغراب ترجيحاً لكفة المصلحة وميزان المنفعة على حساب الأشقاء، فهذا عجيب مريب.

والريبة التي تكمن في مراحل الهدوء النسبي التي تعقب هوجات الصراعات الساخنة وموجات الاقتتالات المتتالية تدفعنا إلى إمعان في الحفاظ على وحدة صف الحكماء وتقدير نعمة الانتماء إلى أوطان ما زالت قادرة على التعقل والتدبر في زمن عز فيه كلاهما.

الزمن الذي أفرز مجموعة شيطانية كداعش، أو سكت على جماعة إجرامية كالإخوان، أو دعم شراذم هاربة هنا وهناك من بقايا الجماعات يخبرنا أن علاقة مصر والإمارات علاقة حياة أو موت.

ترابطهما لا يقتصر على أخبار نشرات الأخبار التي تنقل لقاءات الزعماء، أو تصريحات الوزراء، أو اتفاقات الشراكة والتعاون رغم أهميتها القصوى. لكن الأهمية تمتد كذلك، ولعلها تبدأ بالعلاقة التكاملية بينهما لا سيما فيما يختص بقضية العصر وأزمته ومؤامرته الكبرى، ألا وهي الإرهاب.

حالة الكمون التي دخل فيها الدواعش، والتراشق بالتصريحات بين دول إقليمية وأخرى غربية حول مآل محاربيه ومحارباته القادمين والقادمات عبر الحدود في اعتراف واضح وصريح حول من وقف وراء التنظيم منذ ظهر على الساحة، واستمرار بقاء الإخوان الهاربين في دول يعرفها الجميع آمنين مستقرين يحصدون الأموال ويتزوجون وينجبون، ومستمرين في الدق على أوتار محاولات إسقاط الدول التي هربوا منها وغيرها مشاهد تستحق من الجميع التأمل والتفكر.

والتفكر يدعو الجميع إلى تقدير الكم المذهل من الجهود التي تبذل في مصر والإمارات ليس فقط على ساحات مواجهة الإرهاب العنيف الهادف إلى القتل والسحق، ولكن على منصات المواجهة الحقيقية، حيث الحماية المستدامة.

قمم المعرفة والإعلام والحكومات والمناخ والتسامح وسياحة ذوي الهمم وريادة الأعمال، مع انتهاج مبادئ ترسي دعائم المواطنة والانتماء وإيلاء المواطن الأهمية القصوى والعظمى في فكر الدولة وخططها وسياساتها تشكل دعائم مواجهة الإرهاب والوقاية منه في الإمارات.

وفي مصر حركة دؤوبة على مدار السنوات الخمس الماضية، حيث إعادة البناء على قدم وساق. طرق وجسور ومدن ومشروعات قومية، وتحديث إجراءات حكومية ومعها تطوير تعليم ورعاية صحية ومنتديات شباب، وجهود لتحديث الخطاب الديني وإعادة زرع روح التسامح، وقبول الآخر والتقارب مع الحضارات بديلاً عن التنافر، تشكل خطوات الدولة المصرية السريعة والأكيدة لتصحيح الاتجاه وضبط الدفة.

دفة الإرهاب تتجه دوماً صوب الفراغات. والفراغات تبدأ من حيث تنسحب الدول وتتقاعس المؤسسات وتتجاهل الجامعات والمراكز البحثية هذا التكتيك الشيطاني. فالجماعات السابق ذكرها لا تمثل أيديولوجيا كالرأسمالية أو الاشتراكية أو الشيوعية.

كما أنها لا تندرج تحت بند أشكال الحكم من ديمقراطية أو ديكتاتورية أو حتى ثيوقراطية. الإرهاب تكتيك. والتكتيك يتحرك ويتغير ويتطور بحسب التغيرات حوله. وهو يستخدم البشر كأدوات ومنصات ودروع ويمهد بهم الطريق نحو تحقيق غاياته.

وعلى الرغم من أن خبراء العلوم السياسية يخبروننا بأن تكتيك الإرهاب قصير العمر، حيث تم حساب متوسط عمر الجماعة الإرهابية بنحو ثماني سنوات من ولادتها إلى انتشارها ثم اندثارها، إلا أنهم لم يتطرقوا إلى تسليم راية الإرهاب من جماعة إلى أخرى طالما ظلت عوامل ولادته حية ترزق والظروف المهيأة لنموه مسكوتاً عليها.

وحسناً فعلت مصر والإمارات بوقوفهما في خانة واحدة في مواجهة الإرهاب. هذه الخانة تعبر عن نفسها بلقاءات متتالية واتفاقات متواترة محورها مواجهة الإرهاب. وهي تترجم منهجها عبر رؤية واحدة للإرهاب باعتباره فكرة وليس مجرد جماعة دموية أو فكراً معطوباً. كما أنها تقول الكثير والكثير عبر المبادرات التي تحوي فكراً وعلماً وثقافة ومعرفة قادرة على ملء الفراغات التي ينفذ منها الإرهاب وجماعاته.

والفراغات كثيرة في زمن الثورة المعلوماتية. فراغ تعليمي أو ثقافي أو ديني أو فني أو فكري أو وظيفي أو حتى فراغ الأمل، جميعها فراغات تجذب الإرهاب المتربص. وجميعها موضوع تحت مجهر الدولتين الشقيقتين المتشاركتين في علاقات أخوية راسخة وسياسية ممتازة واقتصادية نشطة. أما العلاقات الثقافية والتعليمية والعلمية والمعرفية فتقول بـ «الفم المليان» نحن نواجه الإرهاب بأسلوب «داوها بالتي كانت هي الداء».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات