انتخابات بريطانيا لعبة معقدة

نتعاطف مع الناخبين البريطانيين ليس لأنهم أمام قرار اختيار مرشح بين مرشحين لا يتمتعان بشعبية لمنصب رئيس الوزراء في 12 ديسمبر، هما رئيس الوزراء الحالي من حزب المحافظين بوريس جونسون وزعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن، وليس لأنهم مجبرون على التوجه إلى مراكز الاقتراع، من أجل انتخابات عامة للمرة الثالثة في غضون خمس سنوات، بل لأنهم تعرضوا لوابل من التشويه والنفاق والتضليل دون سابقة في تاريخ البلاد، فبريطانيا التي كان ينظر إليها كونها موطن «اللعب النظيف»، باتت الآن بؤرة لفيروس من الأكاذيب والخداع والاحتيال، كما العديد من البلدان في أنحاء العالم.

في هذا الجانب، كما في جوانب أخرى، يشبه بوريس جونسون، الذي فقد وظيفته كونه صحافياً، بسبب ابتكاره اقتباسات من اختراعه، رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، كما تبدو بريطانيا التي تتداعى انتخاباتها تحت ضغوط التلاعب بشكل متزايد أشبه بالولايات المتحدة، فقد أصبح الحق والباطل مفهومين طيعين، وبات كل شيء مباحاً.

وفي كل ذلك، تشكل وسائل التواصل الاجتماعي مسرح الأحداث. أخيراً، خلال مناظرة تلفزيونية بين جونسون وكوربن، أعاد حزب المحافظين تسمية حسابه على تويتر «حساب الحقيقة يو كي»، مستخدماً هذا الحساب للدفع برسائل حزبية، تهدف إلى الظهور بمظهر تحقيق مستقل. وعندما تم انتقاد المحافظين على فعلتهم، ضاعفوا زخمهم. وقال وزير الخارجية دومينيك راب: إن الناخبين «لا يهتمون» بما يحصل على الإنترنت، فيما ذهب زميله مايكل غوف أبعد، رافضاً استبعاد تكرار الحيلة. («تويتر» انتقدت بشدة أكبر حزباً في بريطانيا بسبب انتهاكه لقواعدها).

وكان هذا أبعد من أن يكون حادثاً معزولاً، إذ لم يمض 24 ساعة بعد المناظرة المتلفزة، حتى أنشأ حزب المحافظين موقعاً مزيفاً على الإنترنت للباحثين عن بيان حزب العمال المعارض. ودفع الحزب لـ«غوغل» ليضمن ظهور موقعه، الذي يتهم حزب العمال بغياب أي خطة لديه لـ«خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» على رأس نتائج البحث على الإنترنت. وفي الأيام الأخيرة، اشترى ناشطون من حزب المحافظين إعلانات في «فيسبوك» تنتحل شخصية حزب الخضر في محاولة «لتقسيم الأصوات ضد حزب المحافظين».

جونسون وحزبه ليسوا الجناة الوحيدين، إذ إن مجموعات مؤدية لحزب العمال منفصلة رسمياً عن الحملة أنفقت مبالغ كبيرة على إعلانات معظمها عدواني على الإنترنت. وقد اتهمت مواقع التصويت التكتيكية المناهضة لـ«بريكست» بتضليل الناخبين في الدوائر الانتخابية ذات الأهمية الحاسمة.

ويبدو الأمر يؤدي فعله على الأقل جزئياً، حيث قالت إحدى الناخبات أخيراً، إنها سوف تصوت لصالح بوريس جونسون تحديداً، لأنه كاذب مثبت أنه كذب، وهذا يظهره حسب قولها بمظهر «إنسان بشري».

وليس من المفترض أن تسير الأمور على هذا المنوال، إذ يوجد في بريطانيا الكثير من الأنظمة التي تحكم سياساتها، بما في ذلك قيود مفروضة على الإنفاق ومتطلبات شفافية في تمويل الحملات الانتخابية، لكن تلك القواعد مصممة لعصر ما قبل العصر الإلكتروني. يُطلب، على سبيل المثال، من المرشحين للانتخابات قانونياً التأكد من أن جميع المواد الانتخابية المطبوعة تحمل علامات واضحة تشير إلى دافع ثمنها، لكن الإعلانات السياسية على الإنترنت ليس عليها حتى أن تحمل بصمة تعريفية أو توفر أكثر من مجرد المحاسبة الأكثر سطحية عن كيفية إنفاق الأموال.

الإنترنت ليست القناة البريطانية الوحيدة للتضليل، فوسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة كانت غزيرة برسائل مضخمة أخيراً، هي في أفضل الأحوال قابلة للجدل، وفي أسوأ الأحوال على خطأ بشكل واضح.

وقد استغل جونسون منصبه بمهارة في سبيل تدوير روايات مواتية، فأجندة الأخبار اليومية لبريطانيا تُملى في كثير من الأحيان من جانب مكتب رئيس الوزراء (يفترض على نطاق واسع أنه كبير مستشاري السيد جونسون، الرجل الميكيافيلي، دومينيك كامينغز). وقد اتهمت التقارير القائمة على هذا المصدر زوراً المعارضين السياسيين بعدم الأمانة، و«التواطؤ الأجنبي» وبتسريب وثائق حكومية سرية للغاية.

وقد اتخذ جونسون الخطوة غير الاعتيادية المتمثلة في تأخير نشر تقرير حول التدخل الروسي في السياسة البريطانية، وهو قرار أطلق عليه المشرع السابق عن حزب المحافظين والمشرف على التقرير دومينيك غريف، «أمر مثير للصدمة». وبيان الحزب الذي جاء مختصراً في التفاصيل وُصف بالـ«رائع» من قبل معهد الدراسات المالية، وهي هيئة رقابية مستقلة.

وما زاد الطين بلة، هو وجود هيئات ناظمة وهيئات عامة على عدد من التحقيقات المهمة الأخرى المحتملة في الديمقراطية البريطانية. وهناك تأخير في الإعلان عن تحقيق جنائي محتمل في العلاقة بين جونسون ورائدة الأعمال الأمريكية جنيفر أركوري، وإلى الآن لم يقدم تحقيق الشرطة نتائجه في الحملة الرسمية لمغادرة بريطانيا التي ترأسها جونسون، بعد ثلاث سنوات ونصف على استفتاء خروج بريطانيا.

نتيجة لذلك، فان الناخبين في بريطانيا يشعرون بالدوار والتعب. ويمكن القول إن الانتخابات الأكثر أهمية في جيل، الخروج أو عدم الخروج من الاتحاد الأوروبي، تم تقليصها إلى مقاطع صوتية على وسائل التواصل الاجتماعي من ابتكار مستشارين سياسيين يُدفع لهم بسخاء، لا يهم ما إذا كانت الرسالة خطأ أم لا، كل ما يهم هو أن يجري تكرارها بما فيه الكفاية.

قد يساعد كل هذا الخداع والتشويه والتضليل حزب المحافظين، الذين تقدمهم في استطلاعات الرأي بالكاد تزحزح برغم حملتهم المشبوهة، في الفوز بالانتخابات العامة، لكنه فوز بأي ثمن!

 

ـــ كاتب وصحافي إيرلندي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات