آداب التواصل مع البث المباشر

تناولنا في المقال السابق مسؤولية موظف البث المباشر، الذي اشتمل على توجيهات عامة، وقد لاقى استحساناً من قبل الإعلاميين، حيث تفضل الإعلاميان القديران راشد عمر الخرجي «أبو عمر» من دبي، وعبد الله راشد بن خصيف «أبو راشد» من عجمان بالتواصل معي، والشكر على ما تضمنه المقال من توجيه ونصيحة، وهذا إنما يدل على المعدن الإماراتي الأصيل النبيل، الذي يسعى دائماً للارتقاء والتصحيح والتطوير في كل شيء والسعي الدؤوب في خدمة الوطن.

وإلحاقاً بما سبق يأتي هذا المقال لإتمام التوجيه في جانب آخر من جوانب هذا الموضوع، وهو أدب التواصل مع البث المباشر.

وأول ذلك أن يعلم المتصل طبيعة برامج البث المباشر وأهدافها واختصاصاتها، فإن برامج البث المباشر من المبادرات المتميزة، التي وُضعت لغايات نبيلة، فهي منابر مفتوحة لمن لا يجدون حلولاً لمشكلاتهم، وجسور موصولة بين المجتمع والمسؤولين والمؤسسات لحل هذه المشكلات، ووسائل لتعزيز الإيجابيات والارتقاء في المجتمع، ومعالجة جوانب النقص إن وُجدت.

وعندما يضع المتصل هذه الغايات الراقية نصب عينيه فإنه يكون حريصاً عند التواصل مع البرنامج على طرح القضايا والأمور المناسبة، التي تنسجم مع أهداف البرنامج واختصاصاته، فلا يتحدث بما هو خارج عن ذلك، مما لا تعلق له بهذه الأهداف، وكذلك لا يطرح القضايا التي هي خارج نطاق التناول العام؛ كتلك التي تمس الجوانب السيادية، مثل القوانين أو التجنيس ونحو ذلك، فهذه أمور سيادية لها نطاق تناولها الخاص، وقد فتحت القيادة أبواباً كثيرة تناقش فيها مثل هذه القضايا، مثل المجلس الوطني وغيره، ومن ذلك أيضاً عدم إثارة القضايا المتعلقة بالشكاوى التي أحيلت إلى المحاكم، لأنها الجهات المختصة بالبت فيها، وفصل النزاعات المحالة إليها.

ومن الآداب المهمة التي لا يستغني عنها المتصل ضبط النفس، وحسن توجيه الكلام، فإذا كان الإنسان لديه مشكلة ما فإنه ينبغي عليه أن يتناولها بهدوء وعقلانية وأخلاق راقية، دون أي إساءة لأي أحد أو أي طرف، وأن يبتعد كل الابتعاد عن الألفاظ الحادة والتحامل على الآخرين. إننا ندرك أن الإنسان قد يكون واقعاً تحت ضغوط وأزمات، فهو يلجأ إلى البث المباشر لإيجاد مخرج لها، ولكن ينبغي ألا تكون هذه الضغوط- مهما عظمت- سبباً في خروج صاحبها عن نطاق الحوار الراقي، فضلاً عن الإساءة لأي أحد، والإنسان الحكيم يحرص على ضبط نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ومن الآداب المهمة كذلك الحرص على الدقة والمصداقية، وعرض المشكلة دون مبالغة أو تضخيم أو خروج عن نطاق الصدق والحقيقة، فإن الإنسان قد يندفع بسبب الضغوط والتأثر والانفعال فيبالغ في أمور، أو يدعي أموراً ليست حقيقية أو دقيقة، أو يجعل نفسه مظلوماً لأنه ينظر إلى الأمور من زاوية معينة وهو ليس كذلك في واقع الأمر، ولذلك ينبغي على الإنسان أن يتحلى بالتروي والأناة، وتحري الصدق والدقة، وأن يجعل الإنصاف رائده، والصدق قائده، وألا ينساق وراء العاطفة، وحب الانتصار للنفس دون ضوابط.

ومن الأمور التي ينبغي التنويه عليها أن الشكوى كالملح في الطعام، فالإنسان ينبغي ألا يلجأ إلى البث المباشر في كل صغيرة وكبيرة، ويسارع بطرح مشكلات يستطيع حلها بكل سهولة ويسر، وإنما يلجأ إلى هذه البرامج في بعض المسائل التي يحتاج إليها وقد استنفد طاقته في حلها، واستنفد الأسباب التي تساعده على ذلك، فيعرض موضوعه على البث المباشر، من أجل أن يجدوا له مخرجاً مناسباً.

ومن الجوانب المهمة أيضاً التي ينبغي استحضارها في كل وقت التحلي بالمسؤولية الوطنية، والحرص على المصلحة العامة، فالفرد هو جزء من هذا المجتمع وهذا الوطن، يرتقي برقيه، فلو فُرض أن إنساناً تقاطعت مصلحته الشخصية مع المصلحة العامة فينبغي ألا يتعصب لمصلحته الشخصية، ويستميت عنها، على أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين هذه المصالح، فالمصالح العامة تنصب في خدمة الناس والارتقاء بهم، وتوفير الحياة الكريمة لهم، وذلك من صلب مصالحهم الشخصية، والقيادة الحكيمة تحرص كل الحرص على تحقيق المصالح العامة والخاصة للجميع، كما أن هذه البرامج نوافذ مفتوحة، يطلع عليها الداخل والخارج، ولذلك فكما أنها أبواب لعلاج أي نقص ومشكلة فهي كذلك أبواب لتعزيز الإيجابيات في المجتمع، وإبراز ما تعيشه دولة الإمارات من رقي وازدهار وتطور في شتى المجالات، والتي تصب كلها في خدمة الأفراد مواطنين ومقيمين.

وأخيراً فإننا نشيد بدور برامج البث المباشر، وجهود القائمين عليها، وثمراتها الإيجابية، ونشيد بدور قيادتنا الحكيمة، التي فتحت شتى الأبواب لعلاج قضايا الناس وحل مشكلاتهم، وتحقيق المصالح للجميع، والانطلاق المستمر في مسيرة النهضة والتطوير والريادة.

 

ـــ مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

طباعة Email
تعليقات

تعليقات