سلطة التواصل الاجتماعي

عالم لا تحكمه ضوابط.. أبطاله يشعرون أنهم يمتلكون سلطة مطلقة. يخترقون خصوصيتك دون استئذان. في أحيان كثيرة يشعرك أحدهم بأنه يمتلك بندقية مليئة بالذخيرة وأنه جاهز للضغط على الزناد طالما أن الأمور ليست على هواه. بضغطة واحدة على لوحة الكمبيوتر قد يتسببون في تدمير أسرة أو تشويه إنسان بنشر الأكاذيب والمعلومات المغلوطة والشائعات وغيرهم من أدوات الحروب النفسية. أتحدث هنا عن إعلام التواصل الاجتماعي الذي صار كُتّابه هم المواطنون.

تركوا مقاعد المستقبِل وجلسوا في مقاعد المرسل، يقدمون فتاوى وتنظيرات دون مسؤولية. وباتوا منصات لتقديم الوعظ والنصائح والسخرية والنقد الهدام. فتحولت (فضيلة) التكنولوجيا الحديثة إلى (رذيلة) يتم استخدامها في هدم وتدمير المجتمعات وتنفيذ أجندات معادية.

لا أحد ينكر أن هذا هو عصر التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي. وأنها صارت الآن الميدان الحقيقي للحروب بعيداً عن الدبابة والبندقية، ولنا في أحداث ما يسمى بالربيع العربي النموذج والمثال. فقد كانت هذه الوسائل أهم الأدوات التي لعبت دوراً كبيراً في هز استقرار العواصم العربية. السؤال هنا كيف يتم ضبط إيقاع هذا الإعلام الحديث وتحويله إلى أداة للبناء وليس الهدم؟

هنا مكمن الأهمية والخطر. فعلى سبيل المثال الأرقام الرسمية تقول إن 300 مليون صورة يتم نشرها يومياً على منصة الفيس بوك و140 مليون تغريدة على منصة تويتر، وذلك عبر ما يزيد على 50 منصة تواصل اجتماعي.

اللافت هنا أن هذا النوع من الإعلام الافتراضي صار يشغل مساحة كبيرة من التأثير على المجتمعات مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، مع الوضع في الاعتبار أن ما يتم ضخه من معلومات في غالبيته لا يستند إلى مصادر موثوقة أو حقائق، وإنما هي حالة وأجواء، الغرض منها يكون أحياناً لإثارة البلبلة والتشكيك والتشويش المجتمعي.

لكن وسط ضجيج منصات العبث التكنولوجي بات على المجتمعات العربية أن تصنع إعلاماً حديثاً يتمتع بقدر كبير من الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وفق منهج يقوم على استيعاب ثقافة وفنون وعلوم العصر والتنمية الحديثة والاستثمار والتفاعل الإنساني، وذلك يتطلب التعرف على تجارب الدول المتقدمة في هذه الصناعة، وتبادل الخبرات والتدريب والتعليم المستمر والتغير في مناهج معاهد وكليات الإعلام واستلهامها لأدوات العصر بهدف إحداث تغيير شامل في بنية ثقافة هذه المجتمعات ثقافة تحظى بالحياد والموضوعية والشعور بالمسؤولية واحترام حقوق الإنسان وعدم الحض على الكراهية وتوخي الدقة والإجادة والالتزام، والتحلي بالمثل الأخلاقية والنزاهة والعفة كميثاق شرف لا يمكن تجاوزه، بما يجعل سلطة إعلام التواصل الاجتماعي تتجه نحو تقديم محتوى إعلامي حقيقي يكون فاعلاً وإيجابياً في البناء وليس الهدم في الأفكار التنويرية وليس الأفكار الظلامية، في الدعوة للاستقرار وليس للفوضى والهدم في ممارسة مهنة صاحبة رسالة سامية وليس كمنصات للشائعات والتشويه.

دون أن نكون جزءاً من هذا العالم وهذه الصناعة، فنحن نكون أمام مخاطر عدة ليس فقط على المستوى السياسي والاجتماعي فقط بل على المستوى الاقتصادي أيضاً، إذ ان هذه الصناعة في صلب صناعة الاقتصاد العالمي الجديد. وبالتالي فإن مواكبة المتغيرات العالمية في عالم الإعلام الحديث باتت ضرورة أساسية بل من البديهيات الوجودية في هذا العصر.

إن حيوية الأمم والمجتمعات صارت تقاس بحجم قدرتها على صناعة إعلام جديد يفرض نفسه بقوة ويعبر عن وجهة نظر مجتمعه وشعبه ودولته، قادر على تقديم الحقائق وتشكيل الوعي لدى المواطن بشكل صحيح وليس مغلوطاً، فالمعركة الحقيقية الآن هي معركة وعي، والمنتصر فيها من يمتلك الإعلام القوي الحديث والوعي الوطني الذي يملأ عقول الأجيال الجديدة بالمعلومة والحقيقة والواقع ومفهوم الدولة وأمنها القومي.

سيما أنه طوال عقد مضى، وتحديداً منذ ما يسمى بالربيع العربي، استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي اختطاف عقول جيل الشباب نحو مسارات معينة، أحدثت لديه تشويشاً تجاه المجتمعات من حوله، وبالتالي فإن عودة اليقين إلى عقول هؤلاء الشباب باتت مهمة للأمة العربية بأكملها. فهؤلاء هم المستقبل.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات