رد الاعتبار لـ«شعبولا»

خسارة أنه رحل دون أن يعرف أن له مكانة متفردة في العالم العربي. المؤكد أنه كان يعلم أنه حالة غريبة غير معتادة، وأغلب الظن أنه كان من الذكاء الذي جعله يستثمر في هذه الغرابة ويبني على عدم الاعتياد هذا. شعبان عبد الرحيم أو «شعبولا» كما كان يدعوه المقربون منه، ويشير إليه متذوقوه وكذلك منتقدوه رحل بعد حياة حافلة بكل ما هو غير مألوف.

من كان يصدق أن هذا «الصنايعي»، وتحديداً «المكوجي» يقفز من عالم «الصنايعية»، حيث الجنيهات القليلة المكتسبة بشق الأنفس إلى عالم الفنانين، حيث شق الأنفس أيضاً، ولكن مصحوبة بمال كثير وشهرة كبيرة وشعبية طاغية؟!

ومنذ بدايته، ومعالم ذكائه واضحة حتى وإن أبدع وأمعن في إظهار غير ذلك، وتكفي أغنيته «كدّاب يا خيشة»، التي واجه فيها المجتمع بالوصمة التي يلصقها المجتمع به والملايين من أمثاله، وصمة الصنايعي، الذي تجرأ على خوض مجال الفن. «ناس كتير أوي حاسدني، بيقولوا مكوجي بيغني، والفن كله صنايعية».

وهو لم يكتف بذلك الرد المنغم، بل استعرض في الأغنية التي أحدثت ضجة ورجة كبيرتين وقت صدورها قائمة بأشهر مطربي الأغنية الشعبية حينئذ، والحرف التي كانوا يعملون بها قبل أن يفتح لهم الفن أبوابه.

أبواب الفن والشهرة والمال والانتشار والشعبية التي انفتحت على مصاريعها أمام «شعبولا» لا تفتح أمام كثيرين كما يدّعي البعض، فكم من «صنايعي» وغير صنايعي حاول دخول عالم الفن من أحد أبوابه أو حتى نوافذه، لكن لم يفلح. ومنهم من فلح، لكنه كان فلاحاً مؤقتاً، ما يلبث أن يتبخر في هواء أول قادم جديد إلى مجال الفن، أما شعبولا، فهو لم يفلح فقط، بل استمر وانتشر.

حتى بعد خفوت نجم صرعة النغمة المميزة المكررة في أغنياته «إييييييهههههه»، فإنه ظل يتمتع بمكانة متميزة وموقعاً متفرداً لا في مصر فقط، بل في الدول العربية من المحيط إلى الخليج.

اعتقدت الغالبية أن شعبان عبد الرحيم صرعة. ظهرت بقوة، وفرضت نفسها عبر الغرابة والإتيان بكل ما هو خارج الصندوق. ارتدى «شعبولا» ساعات عدة في رسغيه أثناء الغناء أو الاستضافة في البرامج التلفزيونية.

وارتدى ملابس مزركشة ومزخرفة بألوان زاهية وورود متوحشة، فظن البعض أنه يقدم على ذلك مرة أو مرتين أو ثلاث للفت الأنظار وصناعة ترند، وسرعان ما يعود إلى الوضع الطبيعي، لكن كل ما يتصل بـ«شعبولا» لا يمت للطبيعي بصلة: لا هيئته، أو غنائه، أو حياته، أو كلامه، أو خلطه السياسة بالغناء بالغرابة بالترند، وما إن يُذكر اسم شعبان عبد الرحيم حتى يتذكر الجميع «باحب عمرو موسى وباكره إسرائيل».

منهم من يدندنها، ومنهم من يتذكر ملابساتها وآثارها، ومنهم من يكرر الاعتقاد أنها كانت سبباً في إنهاء دور السيد عمرو موسى كونه وزيراً للخارجية.

ليست أغنية عادية، و«شعبولا» ليس مطرباً عادياً، وردود الفعل كذلك ليست عادية، فإن تعلق إسرائيل على وفاته، مشيرة إلى أنه كان فناناً موهوباً يتمتع بشعبية جارفة «رغم الجدل والخلاف خفيف الظل»، ثم تبادر إلى إزالة التعليق، فهذا يعني أن «شعبولا» كان بالغ الأثر.

كذلك الحال بالنسبة إلى أغنية «باحب عم جرجس» التي قدمها «شعبولا» بعد أيام من حادث تفجير كنيسة القديسين الدامي في مدينة الإسكندرية في اليوم الأخير من عام 2010، وهو الحادث الذي عرض البلاد لشرارة من شرارات الفتنة الطائفية. لم يخش «شعبولا» هجمة المتشددين، كما لم يكن يدّعي فلسفة معقدة لا يمتلكها أو كلمات رومانسية لا يشعر بها.

غنّى بنغمته الواحدة التي لا ثاني لها: «باحب عم جرجس، ونود بعضنا. أنا مصري وهو مصري والدين لربنا. باحب عم بطرس، ودايماً قاعد في ريحي ولا يوم فرقنا المسلم والمسيحي. ولاد الأبالسة عايزين ما بينا فتنة. عايزينها برق ورعد. بس إحنا مش هفية وهنحمي نفسنا» ليرقص عليها المسلم والمسيحي.

حديثه عن زوجته الراحلة كان مؤثراً دون ادعاء. مواقفه الصغيرة التي يحكيها أناس عاديون عن جدعنته وطيبته وخفة دمه تعكس شخصية «ابن البلد» المنقرضة وسط الزحام.

ردوده على منتقديه، بمن فيهم القائمون على أمر التلحين والغناء الراقيين، الذين ظلوا يعتبرونه جرثومة في فضاء الأغنية، لم يخرج أبداً عن إطار التهذيب المختلط بالذكاء الشديد. لم يكن يدعي يوماً أنه يغني ليطرب، بل كان يعرف أنه يقدم «سكتشات» يعتبرها البعض فناً شعبياً وينظر إليها البعض الآخر على أنها صرعة آتية من قاعدة الهرم الطبقي.

رحل «شعبولا» دون أن يعرف أنه شخص بالغ التأثير سياسياً وفنياً (سلباً أو إيجاباً) واجتماعياً وإنسانياً. وأغلب الظن أن من نعوه وحزنوا أواهتموا بموته لم يعوا مكانته إلى أن رحل عن دنيانا، ولعل المكانة المكتشفة بعد رحيله هي خير رد اعتبار له.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات