غضب أمريكا اللاتينية

حمم الغضب تستعر في أمريكا اللاتينية، وقد افترشت الشعوب المدركة أنها لا تعيش في ديمقراطيات الحقيقة الطرقات، فنزلت جماهير فنزويلا ونيكاراغوا وبوليفيا إلى الشارع، وفي تشيلي وإكوادور وهايتي أعرب المواطنون عن غضبهم إزاء انعدام المساواة في المجتمع وغياب الفرص الاقتصادية.

في الأثناء ترتدّ الحكومة الأرجنتينية إلى اليسار بيرونية كيرشنير ويواصل العنف المرتبط بالمخدرات تصاعده وخروجه عن السيطرة في المكسيك، فيما لا تبدي دول المنطقة الأخرى أداءً أفضل.

وتتبلور في ظل تلك الأجواء الفوضوية ثلاثة مظاهر أساسية تطغى على أمريكا اللاتينية وتتمثل بانعدام المساواة، والتظاهرات والحراك على سائل التواصل الاجتماعي، والميول السلطوية. ولا تزال أمريكا اللاتينية المنطقة الأكثر افتقاراً للمساواة في العالم، حيث الهوة السحيقة تواصل فصل الأثرياء عن الفقراء.

والمحزن في الأمر أنه على الرغم من ضرورة وجود الديمقراطية الحتمي، فإنها لا تكفي بذاتها، إذ إن اقتصادات أمريكا اللاتينية تعاني منذ العهود الاستعمارية إلى اليوم من أنظمة وضعت لخدمة الأقلية، وقد أملت الشعوب بعد عقود من الاستبداد أن يصبح الرفاه الاقتصادي وحق التصويت أمراً واقعاً، غير أنه لم يتحقق.

ولم تكن تلك التظاهرات لتكون ممكنة لولا المساحات الجديدة التي خلقتها الديمقراطية للاحتجاج الذي لم يكن مسموحاً به فيما مضى، سواء في تشيلي في عهد بينوشيه، أو أيام الحكم العسكري، أو في أمكنة أخرى من العالم.

غير أن المتظاهرين اليوم نزعوا عنهم رداء الخوف، وقد سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي وتقنية الهواتف المتحركة عملية تنظيم احتجاجات فاعلة، وسمحت للشباب تخطي رقابة الحكومة وسيطرتها. الاتصالات الرسمية توازيها ملايين مقاطع الفيديو والصور والنصوص عبر مواقع تويتر وفيسبوك وانستغرام. وما إن تضيع الشرعية والمصداقية على مواقع التواصل الاجتماعي، لن تعود أي حكومة قادرة على السيطرة.

لم تتغلب أمريكا اللاتينية يوماً على نزعة الانجذاب نحو السلطوية، منذ عهد سيمون بوليفار، الذي تحوّل إلى دكتاتور البيرو، وما إن راودته فترة البقاء في سدة الرئاسة لمدى الحياة في عمر كولومبيا الكبرى القصير، حتى حذا الآخرون حذوه.

وتحظى أمريكا اللاتينية اليوم بحصتها الكبرى من الزعماء الديكتاتوريين. وقد عمد كل من الرئيس مادورو في فنزويلا، والثنائي دانيل أورتيغا وروزاريو موريللو في نيكاراغوا إلى تزوير الانتخابات وارتكاب انتهاكات في مسألة حقوق الإنسان بغية الوصول إلى السلطة. وقد أظهرت لنا كوبا كيفية تطبيع 60 مهماً من الاضطهاد بعد أن اختير ميغال دييز كانيل لخلافة الدكتاتور راوول كاسترو، شقيق فيديل.

أما في بوليفيا، فيبدو أن رئيس البلاد إيفو موراليس لا يستوعب معنى كلمة «كلا». ففي استفتاء للرأي أجري العام 2016، رفض الشعب البوليفي إجراءً يسمح لموراليس الترشح لولاية رابعة، وكان قد أمضى في السلطة 14 عاماً ولا يزال يطالب بالمزيد، لكن الشارع البوليفي انفجر في وجهه واضطره للاستقالة.

رغم كل هذا إلا أن موجة الاحتجاجات لم تهدأ. وأسلوب القمع والاستقواء على الشعب لم يكن نافعاً لحل مشكلات أمريكا اللاتينية.

لقد انتهى وقت الهدوء، وما عاد مواطنو أمريكا اللاتينية يسكتون عن حالة عدم الرضا. الأمر المستجد في موجة الاحتجاجات الجديدة يتمثل في انقضاء عهد الوصاية الرسمية، ودخول التقنيات الرقمية الحديثة لمشاركة التظلمات والتجمّعات. ولسوء الحظ أن ردود حكومات دول أمريكا اللاتينية على ذلك لم تتغيّر وأبقت على حالة القمع والاضطهاد عينها.

إلا أن هذا التكتيك لم يعد ناجعاً حيث إن الاحتجاجات في الإكوادور قد تشتعل شرارتها مجدداً عند أقل استفزاز يحصل. أما شهر العسل الرئاسي الذي ينعم به رئيس المكسيك الجديد أندريس مانويل لوبيز أوبرادور قد يصل لخاتمة سريعة في حال استمرت أعمال القتل المتعلقة بالممنوعات. فيما لا يبدو زعماء فنزويلا والإكوادور ونيكاراغوا وكوبا قادرين على الإمساك بزمام الأمور.

لقد خسروا الإعلام أولاً كما الشارع، وأنذرت طلائع الاستياء والغضب بأن الأمور لن تعود كما كانت عليه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات