على واشنطن أن تقرأ التاريخ

على ضفاف نهر النيل في قلب القاهرة يعلو شاهقاً لعنان السماء برج القاهرة بارتفاع يصل إلى 187متراً، بفارق 43 متراً عن هرم الجيزة الأكبر، ليذكر كل من ينسى ويسهو وتخونه الذاكرة، أن كرامة الشعوب لا تباع ولا تشترى.

وبعد خمس سنوات من العمل على تشييد البرج، تم افتتاحه في عام1961 ليغدو شاهداً على استقلالية نظام جمال عبد الناصر في مواجهة شتى الضغوط الأمريكية، فضلاً عن مدى استقامته ونزاهته.

وقصة بناء برج القاهرة باتت من صفحات التاريخ الناصعة لنظام عبد الناصر فقد حمل إليه حسن التهامي أحد معاونيه من حركة الضباط الأحرار، حقيبة بها مليون دولار، أحضرها للتهامي ضابط المخابرات الأمريكية الشهير مايلز كوبلاند، الذي كان يعمل آنذاك مسؤولاً للوكالة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، كهدية شخصية من الحكومة الأمريكية لناصر، عربوناً، كما قال، لصداقتها له.

وكان مبلغ مليون دولار في ذلك الوقت، النصف الأول للقرن العشرين، يعد من المبالغ الطائلة.

قبل عبد الناصر الهدية وخصصها لبناء شاهد على الحماقة الأمريكية فكان برج القاهرة. فقد أدرك ناصر أن الثمن المفترض من ورائها أن يقبل ما تمليه عليه السياسة الأمريكية، وفي القلب منه وقف دعمه لثورة الجزائر وحركات التحرر الوطني الأفريقية بالمال والسلاح والمساندة في المحافل الدولية، فإذا ما تعذر ذلك، يكون الهدف من الهدية الملغومة، هو تحطيم شعبيته واغتيال سمعته معنوياً، وتصويره أمام الشعوب العربية وحركات التحرر الوطني الدولية، التي ترفع صوره وتهتف باسمه، بوصفه زعيماً شرهاً للسلطة والثروة. وغير نظيف اليد!

البرج يطل شامخاً في سماء القاهرة، وبات دليلاً حياً على رفض مصر سياسة التهديد والوعيد والإملاءات الاستعمارية، التي باتت السمة الغالبة للسياسة الأمريكية والغربية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ولم تغفر القوى الاستعمارية الغربية لعبد الناصر أبداً نزوعه نحو الاستقلال، ودعوته دول العالم النامي للاعتماد على الذات، ورفضه لسياسات الأحلاف، واعترافه بجمهورية الصين الشعبية، وكسره لاحتكار السلاح بصفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة بعد رفض أمريكا والغرب تسليح الجيش المصري، وهي صفقة وجهت ضربة قاصمة للمصالح الغربية والإسرائيلية، لاسيما بعد قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس.

جاء العدوان الثلاثي على مصر، الذي كان من أهم أهدافه تحطيم قوة الجيش المصري وعدم تمكينه من استيعاب الأسلحة الجديدة التي حصل عليها، وقبل هذا وبعده السعي لإسقاط نظام عبد الناصر، وهي الأهداف التي تساقطت واحداً تلو الآخر، بفعل صمود الشعب المصري وتضحياته، والدعم العربي له والمساندة الدولية لحقوقنا المشروعة.

وقبل سنوات كشف موقع ويكيليكس عن الرسائل المتبادلة بين السفراء الأمريكيين في عدد من دول العالم، بينها مصر، وبين وزراء خارجية بلادهم خلال الفترة بين عامي 2006و 2009 أي في عهد الرئيس حسني مبارك.

وطبقاً لما بثه الموقع، فإن تقارير السفارة الأمريكية من القاهرة آنذاك لوزارة الخارجية الأمريكية أظهرت أن السياسة المصرية الإقليمية والدولية هي سياسة تتكلم بلغة واحدة، وأن ما يقوله المسؤولون المصريون في العلن، هو نفسه ما يقولون به في السر، وأن الحكومة المصرية رفضت أن تؤيد هجوم إسرائيل على غزة في العام 2008، كما أنها ترفض القيام بأي إجراء يفسر على أي نحو بأنه تواطؤ مع إسرائيل لحصار غزة، وهي شهادة تدحض ما كان يروجه خصوم حسني مبارك من تبعية نظامه للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

عطفاً على ما سبق، فقد وصفت ويكيليكس علاقة مصر بالولايات المتحدة الأمريكية في عهد مبارك بأنها ليست علاقة تبعية، بل هي علاقة لا تخلو من التعارض والتضارب ومن العناد والتصلب من جانب الساسة المصريين، وأن مصر كثيراً ما تغدو حليفاً متمرداً وعنيداً.

الشيء الذي يؤكده هذا الكلام أن الخط الرئيسي للسياسة الخارجية المصرية في مصر الناصرية والمباركية، كان هو الاستقلال، والوقوف حيث تعلو المصالح المصرية فوق كل اعتبار، وهي رؤية ظلت ثابته حتى في ظل مصر الملكية.

ولو أن وزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين، قد تصفحا بعض تلك الصفحات المظلمة من تاريخ العلاقات المصرية -الأمريكية لتريثا قليلاً، قبل أن يرسلا للحكومة المصرية مؤخراً تحذيراً ينطوي على تهديدات تلوح بمخاطر على الأمن المصري، وبفرض عقوبات، ووقف المساعدات، وحظر بيع الأسلحة، ومنع إبرام اتفاقيات للتعاون في مجال الدفاع، لمجرد أن مصر مارست حقاً مشروعاً لكل دولة ذات سيادة، حين أعلنت عن عقد صفقة لشراء مقاتلات روسية من نوع سوخوي 35.

وربما كان يدفعهم ذلك التريث لإدراك أن سلاح التهديد والوعيد لن يغير مسار الأحداث، بل هو يعزز تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، وأن الصفقة المصرية يجري تنفيذها في سياق الاستراتيجية التي يتبعها الجيش المصري لتنويع مصادر تسليحه من فرنسا وألمانيا والصين وروسيا بجانب الولايات المتحدة.

وأن أحداً في المنطقة لم يعد يقبل الموقف الأمريكي بأن يظل التسلح الإسرائيلي متفوقاً على تسلح كل دولها، وأن مصر لن تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي أمام المخاطر الآتية من تركيا وقطر وإيران والزحف الداعشي على دول المنطقة.

تدخل سافر في الشؤون المصرية الداخلية، وعلى واشنطن أن تقرأ التاريخ وتتأمل رويداً في برج القاهرة، قبل أن تتمادى في غيها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات