ودائماً العراق هدف استراتيجي

أطلقت بيروت نداءها فاستجابت بغداد. احتجاجات، مظاهرات، مواجهات. اختلفت الجغرافيا، وتوحدت المطالب والشعارات والهتافات، التخلص من الطائفية والمحاصصة والمذهبية هي القاسم المشترك.

انتظر الشعب العراقي هزيمة داعش حتى ينعم بالرخاء والازدهار، فلم يحصل على شيء. التغيرات «الجيو سياسية» والتدخلات الإقليمية خلقت من بغداد مطمعاً لتأزيم المنطقة مرة ثانية.

تزامن مع هذه الأجواء السياسية، مزيد من الأزمات الاقتصادية وصراعات فرض الإرادة والاستحواذ والنفوذ.

انفجرت شوارع العراق من جديد، ما أشبه الليلة بالبارحة، نعم ليالي بغداد لم تتغير منذ ليلة السقوط التي عاشها العالم العربي عام 2003 بدخول القوات الأمريكية، فمنذ تلك اللحظة تزلزل استقرار الدولة، وتشوهت ملامحها بفعل الفساد وأشكال الاحتلال الجديدة.

لم يكن هز دولة بحجم العراق من قبيل المصادفة فقبل ثماني سنوات من ثورات ما يسمى بالربيع العربي كان هناك قصد وتربص للوصول إلى عام 2011 من هذه البوابة التي تمثل الدرع الشرقية للأمن القومي العربي، فالعراق دائماً هدف استراتيجي لأعداء الأمة، وبغداد عبر التاريخ ورقة رئيسية لمن يريد أن تكون له السيطرة والنفوذ في الإقليم، سيما أن العراق كان أهم مركز تجاري وثقافي في العالم الإسلامي بأسره، هذه المحاولات لم تتوقف منذ مذابح التتار التي حولت نهر دجلة والفرات إلى أنهار من الدماء مروراً بسيطرة العثمانيين الأتراك على العراق عام 1638 وحتى الحرب العالمية الأولى، ذاقت هذه الدولة وشعبها كل صنوف المقاومة والتحدي حتى نالت استقلالها عام 1948، ورغم ذلك لم يكتب لها الاستقرار بل إنها استمرت في أن تكون هدفاً للقوى الإقليمية والعالمية، عبر دفعها للدخول في حروب قادتها إلى تدهور اقتصادي وخلخلة في البنية التحتية للدولة تدفع ثمنها حتى الآن.

ما يعيشه العراق هذه اللحظة يحتاج إلى مزيد من الحكمة والبصيرة السياسية والنظرة الاستراتيجية لإنقاذ دولة بهذا التاريخ والأهمية في المنطقة، وذلك من خلال مجموعة من الخطوات في مقدمتها:

رفع الأيادي الإقليمية والدولية عن العراق، الأمر الذي يدفعنا بضرورة أن يكون قرار الأحزاب العراقية وطنياً وليس خارجياً، وإنهاء العمل بدستور «بول بريمر» القائم حالياً واستبداله بدستور وطني يؤكد وحدة وسلامة الأراضي العراقية، والوقوف على مسافة واحدة من كل أبناء العراق دون تمييز، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة العام المقبل وفقاً لما طرحه الرئيس العراقي برهم صالح، وتشكيل مفوضية لمكافحة الفساد واسترداد المال العام المنهوب سيما أن أحدث تقرير دولي حول الفساد وضع العراق في المرتبة الثانية عالمياً بعد أفغانستان، كاشفاً ضياع تريليوني دولار في آخر عشر سنوات، هذا فضلاً عن ضرورة عودة العراق ضمن منظومة العمل العربي المشترك بعيداً عن توظيفها مذهبياً وطائفياً، وأيضاً استعادة الكوادر العراقية المهمة المهاجرة في الخارج للاستفادة بها في إعادة إعمار الدولة من جديد.

أما الشيء الأكثر أهمية هو أن تكون هناك «بندقية عراقية» واحدة في يد الجيش العراقي الوطني فقط، وهذا يتطلب إنهاء مرحلة الميليشيات المسلحة، كما أنه يجب تأسيس كيانات وأحزاب سياسية مدنية خالصة لا يكون لها أي علاقة بهذه الجماعات المسلحة.

كل هذه الأهداف والمطالب تحتاج إلى دعم عربي تقوم به جامعة الدول العربية، حتى لا يُترك العراق فريسة لإعادة تشكيل ورسم خريطة العالم العربي من جديد.

العراق دولة تمثل أهمية كبرى للحفاظ على الأمن القومي الإقليمي، وانهيارها بمثابة تهاوي البوابة الشرقية للإقليم العربي، فما يحدث هناك له تداعياته الكبيرة ومخاطره التي يجب التوقف أمامها والانتباه إليها بشكل سريع عاجل من خلال قطع الطريق أمام إشعال الشارع العراقي، فالأزمة الحقيقية - وإن بدت اقتصادية - فهي أزمة سياسية بامتياز.

تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة لتحقيق مطالب الشارع ووضع حد لهذا الانفجار، وخصوصاً أن كل السيناريوهات باتت مفتوحة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات