«أوسلو» انتهت وشعب فلسطين باقٍ

كانت الخطيئة الكبرى في اتفاق «أوسلو» بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي عدم النص على الإيقاف الفوري لعملية الاستيطان والبدء في تفكيك ما تم بناؤه على الأراضي المحتلة، كان الرهان الفلسطيني على أن التفاوض على القضايا المعلقة «وأبرزها القدس وعودة اللاجئين» سينتهي - وفقاً للاتفاقية - خلال خمس سنوات، بينما كانت النوايا الإسرائيلية واضحة في التسويف، وكان الإعلان من الجانب الإسرائيلي أن المفاوضات سوف تستمر لمائة عام ولن يحصل الفلسطينيون على شيء!!

قبل أن يعود الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى غزة، كانت أصوات التحذير حاضرة من فكرة نقل مركز الثقل من الحركة الوطنية الفلسطينية إلى السلطة الوليدة، بدلاً من أن تبقى في يد منظمة التحرير وأن تكون السلطة الوليدة مجرد ذراع تنفيذية لشؤون الداخل، لكن مناخ التفاؤل كان أقوى حتى مع الملابسات التي رافقت عودة «أبو عمّار» لأرض الوطن، والتي جعلت الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك يرافقه حتى الحدود ليضع حداً للاستفزازات الإسرائيلية غير اللائقة.

كان مناخ التفاؤل عاماً، وكان العالم كله يرحب بفرصة حقيقية للسلام، وكانت جوائز نوبل تبشر بالأفضل. لكن ها نحن بعد ربع قرن من الزمان أمام الحقيقة المرة، اغتالت إسرائيل كل فرص السلام، واستغلت كل الظروف العالمية والإقليمية وكان نجاحها الأكبر مع الانقسام الفلسطيني المدمر الذي ألحق بالقضية الفلسطينية من الأضرار ما لم يلحقه كل أعدائها.

وها نحن نواجه التحدي الأكبر، رغم كل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، والإنجازات التي تحققت على المستوى الدولي، إلا أن الواقع يقول إننا أمام محاولة جادة لتصفية القضية، وأمام واقع يقول إن الاستيطان يفرض نفسه، ويلتهم نصف الضفة ويستكمل تهويد القدس، في ظل تأييد أمريكي غير مسبوق مع قرارات تتحدى الشرعية الدولية، وتضع كل نفوذ الدولة الأقوى في العالم لتنفيذ مخطط أقصى اليمين الصهيوني في إقامة إسرائيل الكبرى، واستكمال نكبة 48 بنكبة أكبر وأشد خطراً.

ما تم من قرارات أمريكية هنا هو مجرد تطوير للموقف الأمريكي من الانحياز لإسرائيل إلى المشاركة في المسؤولية عما تفعله، والجديد هنا هو الضغوط في الداخل الأمريكي هي الأساس، وأن علينا أن نتوقع المزيد من هذه الخطوات مع تطور التحقيقات بشأن قضية أوكرانيا ومخاطر الاقتراب من عزل الرئيس وتوترات الحملة الرئاسية في عام الحسم، وما يهم إدارة ترامب في الأساس هو الحفاظ على القاعدة الصلبة ومؤيديه من اليمين المتطرف، وفي المقدمة «الإنجيليون الصهاينة» الذين يعتبرون إقامة إسرائيل الكبرى جزءاً من عقيدتهم!!

ومع ذلك كله فإن المخطط الذي يجري تنفيذه لتصفية القضية الفلسطينية لن يكتب له النجاح، قد ينجح في فرض الوقائع على الأرض لفترة تطول أو تقصر، لكنه لن يكتب كلمة «النهاية» في قضية الشعب الفلسطيني، ولن ينزع عن القدس عروبتها، ولن يكون مصيره إلا الفشل الذي سيكون حتماً مصير مشروع التمدد الفارسي ومشروع التوسع التركي العثماني.

شعب فلسطين باقٍ على أرضه، والمهمة الأساسية الآن هي تثبيت الوجود الفلسطيني رغم كل التحديات، لقد وصل «أوسلو» إلى نهايته المحتومة، وأصبح حتماً أن تكون هناك استراتيجية فلسطينية جديدة لمواجهة الخطر والتعامل مع الأوضاع الصعبة التي تم فرضها على الأرض، وأظن أن نقطة البداية هي إعادة الحياة إلى منظمة التحرير باعتبارها التنظيم القائد والجامع لكل شعب فلسطين في الداخل والخارج، وتصحيح الخطأ الذي وقع مع «أوسلو» حين أصبحت «السلطة» هي مركز القرار في الوقت الذي تقبع فيه رهينة لدى الاحتلال.

استعادة المنظمة لقيادتها للشعب الفلسطيني هي المهمة الأساسية وهي تستلزم بالقطع أن يتوحد شعب فلسطين ليفرض إنهاء الانقسام ويقيم حائط الصد الذي يمنع استكمال المؤامرة التي تريد أن تكون غزة هي البديل لدولة فلسطين، حتى تتفرغ إسرائيل لالتهام ما تبقى من الضفة والقدس العربية.

وزير الخارجية الأمريكي «بومبيو» أشار وهو يعلن القرار الأخير بإضفاء الشرعية الأمريكية على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة، إلى الأساس الخطير لكل القرارات الأمريكية حول فلسطين في العامين الأخيرين، وهو اقتناع الإدارة الأمريكية بأن الحل الأخير للصراع لن يكون بالقانون بل بما يسميه «السياسة»!

وهو ما يعني أن منطق فرض القوة هو الفيصل، وأن ما ستقرره واشنطن سيتم تمريره حتى لو وقف العالم كله متمسكاً بالشرعية ومنحازاً للقانون والحقوق المشروعة.

هذا المنطق «أو اللا منطق!!» لا يعني إلا إغلاق كل السبل نحو التفاوض من أجل حل عادل، ولا يؤدي إلا لنهاية «أوسلو» ومعها نهاية حل الدولتين، وهو الأمر الذي لن تستطيع إسرائيل «قبل غيرها» أن تتحمل نتائجه، ولن تستطيع السياسة الأمريكية نفسها أن تتحمل تبعاته على مصالحها في المنطقة التي لا يمكن أن تتحمل «نكبة جديدة» تدخلها في جولة جديدة من الصراع في ظل غياب القانون وحضور لغة الصفقات ومنطق فرض الأمر الواقع.

بعد ربع قرن تصل «أوسلو» إلى نهايتها المؤسفة، وينكشف الدور الذي لعبته كل القوى التي ساهمت في انقسام الفلسطينيين واستنزاف القوة العربية ومحاولة نشر الفوضى والصراعات في الوطن العربي، يتأكد الآن أكثر من أي وقت مضى أن ما فعله ملالي إيران وتركيا أردوغان وعصابات الإرهاب التي سلطت علينا لم يكن بعيداً عن مخططات إسرائيل المدعومة أمريكياً للهيمنة في المنطقة. من يخططون لتصفية قضية فلسطين قد لا يدركون أنهم يعيدونها إلى الطريق الصحيح، رغم كل التحديات، يفرضون على شعب فلسطين أن ينهي الانقسام ويستعيد الوحدة ويصحح المسار، ويؤكدون للعرب أن معركتهم ضد الإرهاب والهيمنة الأجنبية لا تنفصل، وأن نضالهم من أجل السلام والحفاظ على الحقوق المشروعة لن تسمح بنكبة جديدة يعرف العالم كله أن آثارها ستكون أخطر بكثير مما يتصوره أصحاب الصفقات المشبوهة.

* كاتب صحافي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات